إذن، خروج الشيعة في نخبتهم إلى الفكر الحديث وإلى الحياة الحديثة، وإلى محاولة الخروج من دائرة الحرمان، لم يكن على قاعدة التشيّع وإنما كان على قاعدة الحداثة. ولم يفكر أحد، إلا قليلاً في ما أعلم أن يعيد تكوين الشيعة، ويعيد دمجهم إلى شيعيتهم من جهة، وتصحيح انتماء هذه الشيعة إلى الوطن، والمجتمع الوطني من جهة أخرى.
وبدأت ترتفع شيئاً فشيئاً نظرة تطلقها تارة شخصيات شيعية مرموقة، وتارة تطلقها جماعات أو جمعيات تشكلت على هامش التكوينات السياسية القومية واليسارية من جهة أخرى، تطرح شعار حقوق الطائفة الشيعية: حقوقها في المجال السياسي، وحقوقها في المجال التنموي. وبدأت تنشأ حركة مطلبية في هذا المجال، فانخرط فيها كثيرون.
في هذا الجو، جاء الإمام السيد موسى الصدر، وولدت بالتدريج فكرة "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى". هذا المجلس ولدت فكرته انطلاقاً من جملة من المعطيات القائمة في الاجتماع اللبناني. أولاً كونه يمثل صيغة من الصيغ الشائعة بين الطوائف اللبنانية، حيث أن لكل طائفة هيئة تنظيمية تهتم بشؤونها الداخلية. هذه هي الفكرة التلقائية.