إلا أنه يطالب القارئ بأن لا تصرفه مثل هذه "الأساطير" عن رؤية الهدف الحقيقي من بناء القاهرة، وهي "أن تكون عشّاً للدولة الجديدة التي اعتزمت البقاء في مصر إلى الأبد"، وبذلك ينطلق الفاطميون من مصر ليثبوا نحو المشرق الإسلامي، وتحديداً نحو بغداد عاصمة الخلافة العباسية، ولعل رغبة الفاطميين في أن تكون مصر ركيزة إمبراطوريتهم في مرحلتها الثانية، بعد أن شهدت المغرب مرحلة النشوء، تقتضي بأن تكون لهم في مصر مدينة عسكرية ملكية مستقلة عن المدن والحواضر الإسلامية التي قامت في مصر منذ دخلها الإسلام.
وبدأ الحكام العبيديون يشيدون قصوراً لا مثيل لها، فقد أقيم قصر المعز على مساحة سبعين فدّاناً، وأمامه من الناحية الغربية أنشأ العزيز ابن المعز القصر الغربي أو القصر الصغير، وعندما زار الرحالة الفارسي ناصر خسرو القاهرة سنة 438هـ هاله منظر القصر الكبير ووصفه بأنه "قصر شاسع تراه من خارج المدينة كأنه جبل نظراً لضخامة مبانيه وارتفاعها، ولا يمكن أن تراه من داخل المدينة إذ تحيط به أسوار شاهقة الارتفاع، ويقال إن هذا القصر يضم من الحشم إثنى عشر ألف نفس".
واتسعت القاهرة، وانتشرت فيها القصور والمباني الشاهقة، وافتتن الناس بما صنع الفاطميون، لكن المؤلف يحذرنا من أن "هذا البذخ إنما كان ستاراً لتغطية المبادئ والأفكار التي قامت عليها الدولة الفاطمية، وأرادت أن تصوغ حياة المصريين وفقاً لهذه الأيديولوجية، وأن تجعل من النعيم والترف وسيلة لإغراء أهل مصر على اعتناق المذهب الإسماعيلي".