وكان الاحتجاج الأولي لهذه المرجعية على ما حصل، هو "الاعتصام" والغياب عن الواجهة، خصوصاً بعدما حوصرت هذه المرجعية باتهامات شتى، ولم تعد إلى موقعها إلا بعد أن تقاطرت العشائر الشيعية العراقية إلى النجف، معلنة ولاءها المطلق للمرجعية، ومؤمنة لها حصانة شعبية كبرى، أعادت الاعتبار إليها وبوأتها سدة الزعامة الدينية والسياسية الأمر الذي دفع المرجعيات الأخرى المستوطنة في النجف وهي مرجعية محمد سعيد الحكيم ومرجعية الشيخ فياض الأفغاني (أفغاني الأصل)، إلى القبول بأدوار توحي بأن الزعامة الأولى هي لمرجعية السيستاني (الإيراني الأصل).
وقد مارس هذا المرجع أولاً دور المرشد السياسي اليومي من خلال تصريحات عدة كان يطلقها أو تنسب إليه بين فينة وأخرى. ثم بدأ يضطلع بدور الوسيط السياسي عبر استقباله وفوداً وشخصيات عربية وأجنبية (رفض الاجتماع بممثلي الاحتلال الأميركي) أمت دارته العتيقة في أحياء النجف الداخلية.
والملاحظ أن دور مرجعية السيستاني السياسية، بقي بارزاً وطاغياً طوال نحو سنتين، وقد برز أكثر ما يكون عندما اعترض على تلكؤ الأميركيين، في إجراء أول انتخابات عامة، إذ هدد يومها عبر وكلائه في المناطق العراقية بدعوة الناس إلى النزول إلى الشارع، وبالفعل بدأت نتائج تهديداته بالظهور ميدانياً عبر تظاهرات مليونية، مما أجبر الاحتلال الأميركي على الإسراع في تحقيق المحطات الأساسية للعملية السياسية.
تطورات
ومهما يكن من أمر فخلال تلك الفترة، التي استدعت خروج المرجعية عن دورها المألوف، وهو عدم التدخل المباشر في اللعبة السياسية اليومية والاكتفاء بإعطاء التعليمات العامة، وإبراز الخطوط العريضة، برزت تطورات مهمة واستحدثت عناصر جديدة على الخريطة السياسية الشيعية التي أخذت تبلور نفسها، وتعيد ترتيب قواها بعدما كانت مبهمة وغامضة لفترة طويلة.