لو كانوا "شيعة"، ولو كانت "الشيعة" قد ظهرت يومئذ ـ بمعناها الاصطلاحي الحالي ـ لقالوا ذلك، ولكن هذا هو منطقهم الفكري.. ولكنهم لم يكونوا كذلك، بل كانوا بقية جيش علي ودولته، الذين بايعوا الحسن، قبل تنازله لمعاوية، فلما تنازل، على أن يكون له الإمرة من بعده، استمروا من حوله في انتظار قضاء الله أن يسبق إلى معاوية فتعود الإمرة للحسن، وتعود لهم الحكومة والسلطان، لقد كانوا ـ كما يقول أدبنا السياسي الحديث ـ "حكومة الظل" التي تعيش بجيشها وفي عاصمتها تنتظر موت معاوية كي تلي أمر الأمة، وفقا للعهد الذي قطعه معاوية للحسن، ومن ثم فلم يكن موقفهم هذا ولا عهدهم ذاك هو موقف الشيعة ولا العهد الذي يؤرخ به ظهر هذه الفرقة، بمعناها وفكرها المعروف.
أما عندما بدأ "القول بالإمامة"، وبدأ التأليف فيها، ورواية الأحاديث والقصص التي تدور حول "النص والوصية" لعلي وبنيه.. نشأت عقيدة الشيعة، التي ميزتهم ولا زالت تميزهم عن الفرق الأخرى، وتكون التنظيم الشيعي الذي اعتنق أهله هذا الاعتقاد.
وابن النديم، وهو يؤرخ لنشأة التأليف، يذكر أن "أول من تكلم" في مذهب الإمامة: على بن إسماعيل بن ميثم الطيار..( ) صحيح أنه يذكر أن هذا الرجل قد كان "من جلة أصحاب علي، رضي الله عنه".. ولكن لم يقل أحد إن عهد علي بن أبي طالب قد شهد التأليف في الإمامة أو غيرها من الفنون... أما بعد ذلك فلقد كتب علي بن إسماعيل بن ميثم الطيار ـ كطليعة للقائلين بالإمامة والمتكلمين فيه ـ كتب [كتاب الإمامة] و [كتاب الاستحقاق]... وإذا نحن رجعنا إلى [معجم المؤلفين] فإننا نجده يذكر أن علي بن إسماعيل بن ميثم الطيار كان حيا قبل سنة 179هـ / 795م.. الأمر الذي يبتعد به عن عهد علي بن أبي طالب!..