أول هذه الأمور: أن الأئمة وهم الأوصياء استودعهم النبي ? أسرار الشريعة، وأن النبي ? ما بينها كلها بل بين بعضها، فبين ما اقتضاه زمانه وترك للأوصياء أن يبينوا للناس ما تقتضيه الأزمنة من بعده، وذلك بأمانة أودعها إياهم.
وثانيها: أن ما يقوله الأوصياء شرع إسلامي لأنه تتميم للرسالة فكلامهم في الدين شرع، وهو بمنزلة كلام النبي ? لأنه من الوديعة التي أودعهم إياها، فعنه صدروا، وبما خصهم به نطقوا.
وثالث هذه الأمور: أن للأئمة أن يخصصوا النصوص العامة، ويقيدوا النصوص المطلقة.
71ـ وإذا كان الإمام له هذه المنزلة بالنسبة للتقنين، فقد قرروا أنه يكون معصوماً عن الخطأ والنسيان والمعاصي، فهو طاهر مطهر لا تعلق به ريبة، وقد أجمع على ذلك "الأمامية"، وصرحت بذلك كتب "الإثنا عشرية" وقد قال "الشريف المرتضى" في كتابه الشافي:
"قد ثبت عندنا مخالفينا أنه لا بد من إمام في الشريعة يقود بالحدود وتنفيذ الأحكام... وإذا ثبت ذلك وجبت عصمته. لأنه لو لم يكون معصوماً وهو إمام فيما قام به من الدين لجاز وقوع الخطأ منه في الدين، ولكنا إذا وقع الخطأ منه مأمورين باتباعه فيه، والاقتداء به في فعله، وهذا يؤدى إلى أن نكون مأمورين بالقبيح على وجه من الوجوه، وإذا فسد أن نكون مأمورين بالقبيح وجبت عصمة من أمرنا باتباعه والاقتداء به في الدين"( ).
ويقررون أن عصمته ظاهرة وباطنة، وأنها قبل أن يكون إماماً، وبعد توليه الإمامة، ويقول في ذلك "الطوسى" وهو شيخ من شيوخهم: "إنه لا يحسن من الحكيم ـ تعالى ـ أن يولى الإمامة التي تقتضى التعظيم والتبجيل من يجوز أن يكون مستحقاً اللعنة والبراءة في باطنه، لأن ذلك سفه، وكذلك إنما يعلم كونه معصوماً فيما تقدم من حاله قبل إمامته، بأن يقول إذا ثبت كونه حجة فيما يقوله، فلا بد أن يكون معصوماً قبل حال الإمامة، لأنه لو لم يكون كذلك لأدى إلى التنفير عنه، كما نقول ذلك في الأنبياء ـ عليهم السلام ـ "( ).