تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الإمام على شديد الحب للخلفاء الراشدين، كثير التعاون معهم في دراسة مشاكل المسلمين، وتحمل مسئولية الحكم إبان أسفارهم، وكانوا يندبونه إلى ذلك، ولعل أبلغ ما يمكن أن يصور مكانة أبي بكر في قلب الإمام علىّ، هي خطبة الإمام حين وقف على بابه يخاطبه يوم وفاته قائلا: "رحمك الله يا أبا بكر، كنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدهم يقيناً، وأعظمهم غناءً، وأحفظهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنسبهم برسول الله خلقاً وفضلاً وهدياً وسمتاً، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيراً. صدّقت رسول الله حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله في كتابه صديقاً، ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾، يريد محمداً ويريدك. وكنت والله للإسلام حصناً وعلى الكافرين عذاباً، لم تقلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، وكنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف، كنت ـ كما قال رسول الله ـ ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عندك هوادة، فالقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عندك قوي حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك".

هذا هو رثاء أمير المؤمنين علىّ لأمير المؤمنين أبي بكر، أو بالأحرى هذا رأيه فيه، وتلك دمعة سكبها لفراقه، أفمثل هذا الذي رثاه سيدنا علىّ بهذه المعاني يمكن لأتباع سيدنا على أن يرموه بالكفر والردة، وأن يصفوه بالجبت والطاغوت؟ والرأي نفسه قاله أمير المؤمنين علىّ في عمر وعثمان، وهو كلام جميل كله صدق وأدب، وهو كلام موثق لا كذب فيه ولا تلفيق.

الراصد 1 - ----59 · الصفحة ١٥١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الراصد 1 - ----59ص ١٥١٤