فلو نظرنا إلى النفوس والجهود والأموال التي أتلفت بين طوائف المسلمين وخصوصاً الشيعة والسنة، وما جرى للشيعة من عهد علي وخلفائه مما يشرحه كتاب "مقاتل الطالبيين" لأبي الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني، وما جاء في كتب التاريخ بعده أخذنا العجب، وأدركنا أن هذه القوى التي بذلت بين المسلمين كانت تكفي في سهولة لطرد الصليبيين وكفّهم عن العبث بالبلاد، وكان الكف عن قتالهم فيما بينهم يكفي لإصلاح حالة المسلمين اجتماعياً واقتصادياً إصلاحاً ليس له نظير. ولكن هكذا قدر، وهكذا كان، فضاعت المجهودات عبثاً، بل ضاعت في التخريب والتبديد من عصر الخلفاء الراشدين إلى اليوم، ولو تدبر الفريقان لرأوا أن الخلاف كان أكثره على مسائل أصبحت في ذمة التاريخ، ولم يصبح للخصومة عليها معنى، ولكن ماذا نعمل والعقول ضيقة، وفي الناس من يثير الخصومات كسباً للمال، حفظاً لمنزلته في أسرته، أو شهوة للحكم.
عواطف أهل الشيعة
ولئن أمعن المتكلمون من المعتزلة والسنية في الحجج العقلية والقوانين الدقيقة المنطقية، فقد غلبت على الشيعة العواطف. لقد أحبوا آل البيت حباً عاطفياً وكرهوا جداً من عاداهم، وتأثروا تأثراً شديداً ممن عذبهم أو قتلهم أو حبسهم، ولم يكتفوا بالعواطف المجردة، بل أرادوا الانتقام ممن عذبهم، وحاولوا مراراً قلب حكمهم، وهذه كلها شأن العواطف. أما مقدمة صغرى وكبرى وقياس وأشكال قياس فهذه صبغة المعتزلة والسنية. ولكل طابعه.