والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) . . والمشيئة مطلقة لا يقيدها قيد . غير أن الله سبحانه قد جعل للهدى طريقا , ومن وجه نفسه إليه وجد فيه هدى الله ونوره , فاتصل به , وسار على الدرب , حتى يصل - بمشيئة الله - ومن حاد عنه وأعرض فقد النور الهادي ولج في طريق الضلال . حسب مشيئة الله في الهدى والضلال .
ومع هذه الآيات المبينات يوجد ذلك الفريق من الناس . فريق المنافقين , الذين كانوا يظهرون الإسلام ولا يتأدبون بأدب الإسلام:
(ويقولون:آمنا بالله وبالرسول وأطعنا . ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك . وما أولئك بالمؤمنين . وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون . وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين . أفي قلوبهم مرض ? أم ارتابوا ? أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ? بل أولئك هم الظالمون) . .
إن الإيمان الصحيح متى استقر في القلب ظهرت آثاره في السلوك . والإسلام عقيدة متحركة , لا تطيق السلبية . فهي بمجرد تحققها في عالم الشعور تتحرك لتحقق مدلولها في الخارج ; ولتترجم نفسها إلى حركة وإلى عمل في عالم الواقع . ومنهج الإسلام الواضح في التربية يقوم على أساس تحويل الشعور الباطن بالعقيدة وآدابها إلى حركة سلوكية واقعية ; وتحويل هذه الحركة إلى عادة ثابتة أو قانون . مع استحياء الدافع الشعوري الأول في كل حركة , لتبقى حية متصلة بالينبوع الأصيل .
وهؤلاء كانوا يقولون: (آمنا بالله وبالرسول وأطعنا) . . يقولونها بأفواههم , ولكن مدلولها لا يتحقق في سلوكهم . فيتولون ناكصين ; يكذبون بالأعمال ما قالوه باللسان: (وما أولئك بالمؤمنين) فالمؤمنون تصدق أفعالهم أقوالهم . والإيمان ليس لعبة يتلهى بها صاحبها ; ثم يدعها ويمضي . إنما هو تكيف في النفس , وانطباع في القلب , وعمل في الواقع , ثم لا تملك النفس الرجوع عنه متى استقرت حقيقته في الضمير . .