وتارة يقولون أنواعًا من الكلام المؤذى الشديد . وهم مع ذلك أشحة على الخير، أى : حراص على الغنيمة والمال الذى قد حصل لكم . قال قتادة : إن كان وقت قسمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم . يقولون : أعطونا، فلستم بأحق بها منا . فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق . وأما عند الغنيمة فأشح قوم . وقيل : أشحة على الخير، أى : بخلاء به، لا ينفعون، لا بنفوسهم ولا بأموالهم .
وأصل الشح : شدة الحرص الذى يتولد عنه البخل والظلم، من منع الحق، وأخذ الباطل . كما قال النبى صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمَرَهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ) . فهؤلاء أشحاء على إخوانهم، أى : بخلاء عليهم، وأشحاء على الخير، أى : حراص عليه . فلا ينفقونه، كما قال : ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [ العاديات : 8 ] ، ثم قال تعالى : ﴿ يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [ الأحزاب : 20 ] .
فوصفهم بثلاثة أوصاف :
/أحدها : أنهم لفرط خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد . وهذه حال الجبان الذى فى قلبه مرض؛ فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف، وتكذيب خبر الأمن .
الوصف الثانى : أن الأحزاب إذا جاؤوا تمنوا ألا يكونوا بينكم، بل يكونون فى البادية بين الأعراب، يسألون عن أنبائكم : إيش خبر المدينة ؟ وإيش جرى للناس ؟
والوصف الثالث : أن الأحزاب إذا أتوا ـ وهم فيكم ـ لم يقاتلوا إلا قليلاً . وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس فى هذه الغزوة كما يعرفونه من أنفسهم، ويعرفه منهم من خبرهم .