وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من قال : ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم، فينبغى الدخول فى دولة التتار . وقال بعض الخاصة : ما بقيت أرض الشام تسكن، بل ننتقل عنها، إما إلى الحجاز واليمن، وإما إلى مصر . وقال بعضهم : بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء، كما قد /استسلم لهم أهل العراق، والدخول تحت حكمهم .
فهذه المقالات الثلاث قد قيلت فى هذه النازلة . كما قيلت فى تلك . وهكذا قال طائفة من المنافقين، والذين فى قلوبهم مرض، لأهل دمشق خاصة والشام عامة : لا مقام لكم بهذه الأرض .
ونفى المقام بها أبلغ من نفى المقام . وإن كانت قد قرئت بالضم أيضًا . فإن من لم يقدر أن يقوم بالمكان، فكيف يقيم به ؟ !
قال الله تعالى : ﴿ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾ [ الأحزاب : 13 ] .
وكان قوم من هؤلاء المذمومين يقولون ـ والناس مع النبى صلى الله عليه وسلم عند سَلْع داخل الخندق، والنساء والصبيان فى آطام المدينة : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، أى : مكشوفة ليس بينها وبين العدو حائل ـ وأصل العورة : الخالى الذى يحتاج إلى حفظ وستر . يقال : اعور مجلسك إذا ذهب ستره، أو سقط جداره . ومنه عورة العدو . وقال مجاهد والحسن : أى ضائعة تخشى عليها السراق . وقال قتادة : قالوا : بيوتنا مما يلى العدو، فلا نأمن على أهلنا، فائذن لنا أن /نذهب إليها؛لحفظ النساء والصبيان . قال الله تعالى : ﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ ؛ لأن الله يحفظها ﴿ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾ فهم يقصدون الفرار من الجهاد، ويحتجون بحجة العائلة .