وقد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس، وكان قدومهم قبل فتح مكة على الصحيح، كما قد بيناه وقالوا : يا رسول الله إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر يعنون بذلك أهل نجد : من تميم وأسد وغطفان، لأنهم بين البحرين وبين المدينة، وعبد القيس هم من ربيعة ليسوا من مضر؛ ولما فتحت مكة زال هذا الخوف، ولما قدم عليه وفد عبد القيس أمرهم بالصلاة والزكاة ; وصيام رمضان ; وخمس المغنم ; ولم يأمرهم بالحج وحديث ضمام قد تقدم أن البخاري لم يذكر فيه الحج، كما لم يذكره في حديث طلحة وأبي هريرة وغيرهما مع قولهم : إن هذه الأحاديث هي من قصة ضمام وهذا ممكن ; مع أن تاريخ قدوم ضمام هذا ليس متيقنا .
وأما قوله : ﴿ وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ﴾ [ البقرة : 196 ] فليس في هذه الآية إلا الأمر بإتمام ذلك وذلك يوجب إتمام ذلك على من دخل فيه، فنزل الأمر بذلك لما أحرموا بالعمرة عام الحديبية، ثم أحصروا فأمروا بالإتمام وبين لهم حكم الإحصار، ولم يكن حينئذ قد وجب عليهم لا عمرة ولا حج .
الجواب الثاني : أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض الظاهرة التي تقاتل على تركها الطائفة الممتنعة كالصلاة والزكاة، ويذكر تارة ما يجب على السائل، فمن أجابه بالصلاة والصيام، لم يكن عليه زكاة يؤديها ومن أجابه بالصلاة والزكاة والصيام : فإما أن يكون قبل فرض الحج؛ وهذا هو الواجب في مثل حديث عبد القيس ونحوه، وإما أن يكون السائل ممن لا حج عليه .