ولكن بذوب الماء يرفع حكمه ... ويوضع حكم الماء والأمر واقع فمن وقف مع ظاهر الثلجة أنكر الماء الذي في باطنها وكان جاهلا بحقيقتها ومن نفذ إلى باطنها عرف أصلها وفرعها وكذلك الأكوان ظاهرها غرة لمن وقف مع كثافتها وباطنها عبرة لمن نفذ إلى أصلها وقد مثلوا أيضا الكون بصورة جبريل حين كان يتصور في صورة دحية فمن رآه كثيفا قال دحية وأنكر أن يكون ملكا ومن عرف أصله لم ينكره ولم يقف مع ظاهره فإذا تلطف ورجع إلى أصله ذهبت تلك الصورة واضمحلت فكذلك الكون إنما هو خيال فما دام موجودا في الحس رأى وظهر فإذا رجع إلى أصله بظهور أسراره التي قام بها اضمحل ولم يبق له أثر وقد أشار إلى هذا صاحب العينية أيضا بقوله
تجليت بالتحقيق في كل صورة ... ففي كل شئ من جمالي لوامع
فما الكون في التمثال إلا كدحية ... تصور روحي فيه شكل مخادع ويسمون هذه الأسرار التي قامت بها الأكوان معاني ويسمون الأكوان أواني حاملة للمعاني فلو ظهرت المعاني لا ضمحلت الأواني ومن وقف مع حس الأواني حجب عن أسرار المعاني وفي ذلك بقول الششترى رضي الله عنه
لا تنظر إلى الأواني ... وخض بحر لا معاني
لعلك ... تراني وقال ابن الفارض رضي الله عنه
ولطف الأواني في الحقيقة تابع ... للطف المعاني والمعاني بها تسموا
صفحة: 155