تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كمل لابن عباس ما طمح إليه من العلم تحول إلى معلم يعظ العامة، ويعلم الخاصة، حتى أصبح بيته جامعةً للمسلمين بكل ما تعنيه الكلمة في عصرنا، يُدَرَّس فيها كل العلوم، غير أنها تقوم كلها على أكتاف مدرِّسٍ واحد، هو حبر الأمة، وترجمان القرآن والسنة.

روى أحد أصحابه قائلاً: (لقد رأيت من ابن عباس مجلساً لو أن جميع قريش افتخرت به لكان لها مفخرة، فلقد رأيت الناس اجتمعوا في الطرق المؤدية إلى بيته حتى ضاقت بهم، وسدوها في وجوه الناس، فدخلتُ عليه وأخبرته باحتشاد الناس، فقال: ضع لي وضوءاً، فتوضأ وجلس وقال: اخرج وقل لهم: من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه فليدخل، فخرجت وقلت لهم، فدخلوا حتى ملئوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر، ثم قال لهم: أَفسِحوا الطريقَ لإخوانكم، فخرجوا، ثم قال لي: اخرج فأَدْخِل من أراد أن يسأل عن القرآن وتأويله فليدخل، فدخلوا، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم، ثم قال: من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليدخل، فدخلوا، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم، ثم قال: من أراد أن يسأل عن الفرائض فليدخل، فدخلوا، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم، ثم قال: من أراد أن يسأل عن العربية فليدخل، فدخلوا، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم).

ثم رأى ابن عباس الحَبرُ تقسيم العلوم على الأيام؛ حتى لا يحدث في بابه مثل ذلك الزِّحام، فكان يجلس يوماً للفقه، وآخراً للتأويل والتفسير، وثالثاً للمغازي، ورابعاً للشعر وأيام العرب.. وخامساً وسادساً، وما جلس إليه عالم إلا خضع له، ولا سأله سائل إلا وجد عنده علماً.

ومع ذلك لم ينس ابن عباس رضي الله عنهما حين انصرف إلى الخاصة ليعلمهم ويفقههم حق العامة عليه، فكان يعقد لهم مجالس الوعظ والتذكير؛ فَتذرِفُ العيون، وتخشع القلوب لعلَّام الغيوب.

عبد الله بن عباس رضي الله عنهما · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عبد الله بن عباس رضي الله عنهماص ٥