تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عمالقة، قامات مديدة، وعضلات مفتولة، وعافية عاتية. وكان القوم من الناحية العقلية أصحاب ذكاء ودهاء يضرب بهما المثل. قال النابغة الذبيانى يمدح الغساسنة: أحلام عاد، وأجساد مطهرة من المعقة والآفات والأثتم!. ولكن عادا أبطرها هذا التفوق المادى والأدبى وقالوا: من أشد منا قوة؟. ص _289

وأخذوا يستمتعون بالحياة على نحو مفرط، يتطاولون فى البنيان، ويذهبون بأنفسهم، وإذا وقع بأيدهم ضعيف بطشوا به، لايخافون قصاصا! من يقدر عليهم؟. قال لهم نبيهم هود: " أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون " والريع: الربوة أو التل أو المكان المرتفع. والآيات التى بنوها قيل: علامات تدل على الطرق فى هذه المتاهات الرملية! وقيل: بل القصور المشيدة، والمصانع، وقيل: خزانات للمياه، وقيل: حصون سامقة.. وعند التأمل نجد أن بناء البيوت العالية والسدود المائية ليست مما يؤاخذ امرؤ عليه! ولذلك قال العلماء: إن الذى أخذ عليهم الترف الشديد، والإغراق فى حب الدنيا، والذهول عن الله، واجتياح حقوق الآخرين!. ونحن نشهد فى المعاصرين من أبناء أوروبا وأمريكا أنهم يشيدون ناطحات السحاب، ويتطاولون فى البنيان، ويذكرون شهواتهم، وينسون وصايا ربهم. ف!ذا حاربوا فجروا الذرة بالهلاك العام! وإذا خاصموا لم يبالوا بما يلقى عدوهم من هوان وخسف!!. وغضب الله على عاد وثمود وأشباههم فى الآخرين إنما يجىء من هذه الناحية، مع جهل بالله، وذهول عن لقائه وجرأة عليه.. ثم جاء قوم لوط، والغريب أن الحضارة الحديثة مهددة بالاستغراق فى الملذات، والإقبال على الشذوذ، ولما بدت نذر الموت ما صاح أحد بضرورة العفاف والتقوى، بل تضافرت الجهود العالمية على استكشاف وسيلة تجمع بين اللذة الحرام والنجاة من العواقب المهلكة!!. وهذا لون من الإسراف يقتل الشعوب " أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم

نحو تفسير موضوعي · الصفحة ٢٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نحو تفسير موضوعيص ٢٦٤