ليست العبرة باختلاق الكثير من الأعذار في عدم قدرتك على القيام بواجبات ذلك الحق الذي تعتقده ، والذي وهبك الله فرصةَ عمرٍ محدودةٍ ؛ ليرى كيف سيكون قيامك به ، وإنما العبرة بتلك المفاصلة التي يجريها علام الغيوب المطلع على ما في القلوب ؛ المحصي من أعمالك الحسنات والذنوب ، حين يزن أعمالك بميزان الحق الذي لا يظلم ولا يجور ؛ فمن أحسن القيام بعمله كان له من الله البر والإحسان ، ومن أساء ؛ فلن تجدي منه الأعذار ؛ مهما تحايل في النكران ؛ وذلك لأن الله اختص سبيله ومنهجه بسمة الثبات ، فلا تعتري مبادئه التغيير أو النقصان مهما تغيرت الدهور أو الأزمان ، فمن أطلق العنان للترخص في الأحكام ؛ بسبب ازدياد فتنٍ أو تغير وضعٍ فأحلَّ الحرام ، وحرَّم الحلال ، وصاغ لنفسه منهجاً ، توهم فيه الموافقة لرضى الرحمن ؛ ساءت والله سريرته وخاب والله عمله ، وأضحى مهيئاً لأن يرد بنفسه موارد سوء الخاتمة التي لا فلاح بعدها أبداً ، وذلك لأن الله لا يُخدع ، ولا يرضى لمنهجه أن تجري عليه الأهواء ؛ فمن شاء زاد ، ومن شاء أنقص وكأنه ليس برب الأرباب ، الذي يعلم من الغيب ما هو كائن إلى يوم الحساب ؛ والذي جعل من منهجه لعباده زاداً لا يُحتمل معه النفاد ، ومرجعاً لا يضل معه العباد ، وإنَّما وَفَقَ لفهمه من أخلص الاتباع ، وأسلم تَعَبُّدَهُ لربه بلا ابتداع ، أما من ظن في منهج ربه النقصان ، وتوهم قدرة عقله المحدود على جبر ذلك النقصان ؛ كانت الخيبة والتعاسة _ أيضاً _ نصيبه بلا أدنى نقصان ؛ لأن الله ما زاده إلا ضلالاً فوق ضلاله ، وزيغاً فوق زيغه ؛ فلم يعرف للهداية طريقاً ولم يعرف للحق سبيلاً ؛ وذلك لأن الشيطان لا يضل العبد إلا من خلال سبيلين لا ثالث لهما ، هما :
نبض القلم · الصفحة ١٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
نبض القلمص ١٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي