قال البيهقي : لعله أراد حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب ماء في الطواف وهو حديث غريب بهذا اللفظ ، والله أعلم . فرع : يكره للطائف وضع يده على فيه ، كما يكره ذلك في الصلاة إلا أن يحتاج إليه أو يتثاءب ، فإن السنة وضع اليد على الفم عند التثاوب ، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه ، فإن الشيطان يدخله رواه مسلم . فرع : يكره أن يشبك أصابعه أو يفرقع بها كما يكره ذلك في الصلاة ، ويكره أن يطوف وهو يدافع البول أو الغائط أو الريح ، أو وهو شديد التوقان إلى الأكل ، وما في معنى ذلك ، كما تكره الصلاة في هذه الأحوال . فرع : يلزمه أن يصون نظره عمن لا يحل النظر إليه ، من امرأة أو أمرد حسن الصورة ، فإنه يحرم النظر إلى الأمرد والحسن بكل حال إلا لحاجة شرعية كما جزم به المصنف في كتاب النكاح ، وسنوضحه هناك إن شاء الله تعالى ، لا سيما في هذا الموطن الشريف ، ويصون نظره وقلبه عن احتقار من يراه من الضعفاء وغيرهم ، كمن في بدنه نقص ، وكمن جهل شيئا من المناسك أو غلط فيه ، وينبغي أن يعلم الصواب برفق . وقد جاءت أشياء كثيرة في تعجيل عقوبة كثير ممن أساء الأدب في الطواف كمن نظر امرأة ونحوها . وذكر الأزرقي من ذلك جملا في تاريخ مكة ، وهذا الأمر مما يتأكد الإعتناء به لأنه في أشرف الأرض والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أقيمت الصلاة وهو في الطواف أو عرضت له حاجة لا بد منها قطع الطواف ، فإن فرغ بنى ، لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يطوف بالبيت ، فلما أقيمت الصلاة صلى مع الإمام ثم بنى على طوافه وإن أحدث وهو في الطواف توضأ وبنى لأنه لا يجوز إفراد بعضه عن بعض ، فإذا بطل ما صادفه الحدث منه لم يبطل الباقي فجاز له البناء عليه . + الشرح : قال أصحابنا : ينبغي للطائف أن يوالي طوافه ، فلا يفرق بين الطوفات السبع ، وفي هذه الموالاة قولان الصحيح : الجديد أنها سنة ، فلو فرق تفريقا كثيرا بغير عذر لا يبطل طوافه ، بل يبني على ما مضى منه ، وإن طال الزمان بينهما ، وبهذا قطع كثيرون من العراقيين والثاني : أنها واجبة فيبطل الطواف بالتفريق الكثير بلا عذر ، فعلى هذا إن فرق يسيرا لم يضر . وإن فرق كثيرا لعذر ففيه طريقان كما سبق في الوضوء والمذهب : جواز التفريق مطلقا قال إمام الحرمين : التفريق الكثير هو ما يغلب على الظن تركه الطواف . ولو أقيمت الصلاة المكتوبة وهو في أثناء الطواف ، إن كان طواف نفل استحب قطعه ليصليها ثم يبني عليه ، وإن كان طوافا مفروضا كره قطعه لها . قال المصنف والأصحاب : إذا أقيمت الصلاة المكتوبة أو عرضت له حاجة لا بد منها وهو في أثناء الطواف قطعه ، فإذا فرغ بنى إن لم يطل الفصل ، وكذا إن طال وهو المذهب ، وفيه الخلاف السابق . قال البغوي وآخرون : إذا كان الطواف فرضا كره قطعه لصلاة الجنازة ولسنة الضحى والوتر وغيرها من الرواتب ، لأن الطواف فرض عين ولا يقطع لنفل ولا لفرض كفاية ، قالوا وكذا حكم السعي ، وقد نص الشافعي رحمه الله في الأم على هذا كله ، ونقله القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الأم فقال : قال في الأم : إن كان في طواف الإفاضة فأقيمت الصلاة أحببت أن يصلي مع الناس ثم يعود إلى طوافه ويبني عليه ، وإن خشى فوات الوتر أو سنة الضحى أو حضرت جنازة فلا أحب ترك الطواف لشيء من ذلك لئلا يقطع فرضا لنفل أو فرض كفاية . والله أعلم . وأما إذا أحدث في طوافه فإن كان عمدا فطريقان أحدهما : وهو المشهور في كتب الخراسانيين ، وذكره جماعة من العراقيين ، فيه قولان أصحهما : وهو الجديد : لا يبطل ما مضى من طوافه ، فيتوضأ ويبني عليه والثاني : وهو القديم يبطل فيجب الإستئناف . والطريق الثاني : وبه قطع الشيخ أبو حامد وأبو علي البندنيجي والماوردي والقاضي أبو الطيب في تعليقه وابن الصباغ وآخرون من العراقيين إن قرب الفصل بي قولا واحدا ، وإن طال فقولان الأصح : الجديد يبنى والقديم يجب الاستئناف . واحتج الماوردي في البناء على قرب بإجماع المسلمين على أن القعود اليسير في أثناء الطواف للإستراحة لا يضر . وهذا الإستدلال ضعيف ، لأن الحدث عمدا مقصر ، ومع منافاة الحدث فحشه . هذا كله في الحدث عمدا ، قال الماوردي وغيره : وحكم الحدث سهوا كالعمد . وأما سبق الحدث فإن قلنا يبني العامد فهذا أولى ، وإلا فقولان كسبق الحدث في الصلاة أحدهما : يبني والثاني : يستأنف وقال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وغيرهما : إن قلنا سبق الحدث لا يبطل الصلاة فالطواف أولى أن لا يبطل . وإن قلنا يبطلها : فهو كالحدث في الطواف عمدا . وذكر إمام الحرمين نحو هذا فقال : إذا سبقه الحدث في الطواف . قال الأصحاب : إن قلنا : سبق الحدث لا يبطل الصلاة فالطواف أولى ، وإن قلنا يبطلها ففي إبطاله الطواف قولان . قال والفرق أن الصلاة في حكم خصلة واحدة بخلاف الطواف ، ولهذا لا يبطل بالكلام عمدا وكثرة الأفعال . وقطع البغوي بأن من سبقه الحدث يبني على طوافه . وقال الدارمي : إن أحدث الطائف فتوضأ وعاد قريبا بنى ، نص عليه . وقال ابن القطان والقيصري : فيه قولان كالصلاة ، قال : فعلى هذا يفرق بين العمد والسبق كالصلاة . قال ومنهم من قال قولا واحدا كما نص عليه . فهذه طرق الأصحاب وهي متقاربة ومتفقة على أن المذهب جواز البناء مطلقا في العمد والسهو وقرب الزمان وطوله . قال الشافعي والأصحاب : وحيث لا نوجب الإستئناف في جميع هذه الصور فنستحبه . والله تعالى أعلم . فرع : حيث قطع الطواف في أثنائه بحدث أو غيره ، وقلنا يبني على الماضي فظاهر عبارة جمهور الأصحاب أنه يبني من الموضع الذي كان وصل إليه . وقال الماوردي في الحاوي : إن كان خروجه من الطواف عند إكمال طوفة بوصوله إلى الحجر الأسود عاد فابتدأ الطوفة التي تليها من الحجر الأسود ، وإن كان خروجه في أثناء طوفة قبل وصوله إلى