ففي هذا تردد ظاهر عندي ، وظاهر كلام المصنف والأصحاب أن هذا يصح وجها واحدا وإن خرج بعض بدنه عن محاذاة العصا لأنه يعد مستقبلا بخلاف مسألة الخارج بعضه عن محاذاة الكعبة ، ولهذا قطع الأصحاب بالصحة إذا كانت العصا مسمرة وقطعوا بها أيضا فيما إذا بقيت من أصل الجدار قدر مؤخرة الرحل ، وإن كانت أعالي بدنه خارجة عن محاذاته لكونه مستقبلا ببعضه جزءا شاخصا وبباقيه هواء الكعبة ، وأما الواقف على طرف الركن فلم يستقبل ببعضه شيئا أصلا .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن لم يكن بحضرة البيت نظرت فإن عرف القبلة صلى إليها وإن أخبره من يقبل خبره عن علم قبل قوله ولا يجتهد ، كما يقبل الحاكم النص من الثقة ولا يجتهد ، وإن رأى محاريب المسلمين في بلد صلى إليها ولا يجتهد ، لأن ذلك بمنزلة الخبر . + الشرح : إذا غاب عن الكعبة وعرفها صلى إليها ، وإن جهلها فأخبره من يقبل خبره لزمه أن يصلي بقوله ولا يجوز الاجتهاد ، وقد تقدم في باب الشك في باب نجاسة الماء بيان من يقبل خبره ، وأنه يدخل فيه الحر والعبد والمرأة بلا خلاف ، ولا يقبل خبر الكافر في القبلة بلا خلاف . وأما الصبي المميز فالمشهور أنه لا يقبل خبره ونقل القاضي حسين وصاحبا التهذيب والتتمة فيه نصين للشافعي أحدهما : يقبل والثاني : لا . قالوا : فمن أصحابنا من قال : في قبول قوله هنا قولان للنصين ، وقال القفال : فيه وجهان ، وكذا في قبول روايته حديث النبي صلى الله عليه وسلم وغيره الوجهان ، الأصح لا يقبل . ومنهم من قال : النصان على حالين ، فإن دله على المحراب أو أعلمه بدليل قبل منه ، وإن أخبره باجتهاد فلا يقبل منه . وأما الفاسق ففيه طريقان المشهور : أنه لا يقبل خبره هنا كسائر أخباره ، وبهذا قطع البغوي والأكثرون والثاني : في قبوله وجهان لعدم التهمة هنا ، وممن حكى الوجهين فيه القاضي حسين وصاحب التتمة وآخرون ، واختار صاحب التتمة القبول ، وقد سبق في باب الشك في نجاسة الماء أن الكافر والفاسق يقبل قولهما في الإذن في دخول الدار وحمل الهدية ، أما المحراب فيجب اعتماده ولا يجوز معه الاجتهاد . ونقل صاحب الشامل إجماع المسلمين على هذا ، واحتج له أصحابنا بأن المحاريب لا تنصب إلا بحضرة جماعة من أهل المعرفة بسمت الكواكب والأدلة ، فجرى ذلك مجرى الخبر . وأعلم أن المحراب إنما يعتمد بشرط أن يكون في بلد كبير أو في قرية صغيرة يكثر المارون بها بحيث لا يقرونه على الخطأ ، فإن كان في قرية صغيرة لا يكثر المارون بها لم يجز اعتماده ، هكذا ذكر هذا التفصيل جماعة منهم صاحب الحاوي