بغير الماء . وأما مسألة الهرة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا مذكورة بعد هذا ، فإن قلنا بطهارة ما ولغت فيه فليس هو لطهارة فمها بريقها ، بل لأنه لا يمكن الاحتراز منها فعفي عنها كأثر الاستنجاء . وينبغي للناظر في هذا الكتاب أن لا يسأم من طول بعض المسائل فإنها لا تطول إن شاء الله تعالى إلا بفوائد وتمهيد قواعد ، ويحصل في ضمن ذكر مذاهب العلماء ودلائلها وأجوبتها فوائد مهمة نفيسة وتتضح المشكلات وتظهر المذاهب المرجوحة من الراجحة ، ويتدرب الناظر فيها بالسؤال والجواب ، ويتنقح ذهنه ويتميز عند أولي البصائر والألباب ، ويتعرف الأحاديث الصحيحة من الضعيفة ، والدلائل الراجحة من المرجوحة ، ويقوى للجمع بين الأحاديث التي تظن متعارضات ، ولا يخفى عليه بعد ذلك إلا أفراد نادرات وبالله التوفيق . فرع : قال الشافعي في أول مختصر المزني : وما عدا الماء من ماء ورد أو شجر أو عرق لا تجوز الطهارة به ، واختلف أصحابنا في ضبط قوله : عرق فقيل هو بفتح العين والراء وهو عرق الحيوان ، وقيل بفتح العين وإسكان الراء وهو المعتصر من كرش البعير . وقد نص على هذا في الأم ، وقيل بكسر العين وإسكان الراء وهو عرق الشجر أي المعتصر منه والأول أصح ، والثالث ضعيف لأنه عطفه على الشجر والثاني فيه بعد لأنه نحس لا يخفى امتناع الطهارة به فلا يحتاج إلى بيان . فرع : إذا أغلى مائعا فارتفع من غليانه بخار تولد منه رشح فليس بطهور بلا خلاف كالعرق ، ولو أغلى ماء مطلقا فتولد منه الرشح قال صاحب البحر قال بعض أصحابنا بخراسان : لفظ الشافعي يقتضي أنه لا تجوز الطهارة به لأنه عرق قال الروياني : وهذا غير صحيح عندي لأن رشح الماء ماء حقيقة ، وينقص منه بقدره فهو ماء مطلق فيتطهر به . قلت : الأصح جواز الطهارة به والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن كمل الماء المطلق بمائع بأن احتاج في طهارته إلى خمسة أرطال ومعه أربعة أرطال فكمله بمائع لم يتغير به كماء ورد انقطعت رائحته ففيه وجهان ، قال أبو علي الطبري : لا يجوز الوضوء به لأنه كمل الوضوء بالماء