وبعد ..
فهذا هو البحث, بذلت فيه الجهد, وأسأل الله التوفيق والسّداد.
كانت هذه الدّراسة واعية بقلّة ما كتب حديثاً في النقد العربي عن المتلقي وقضاياه المبثوثة في مؤلّفات النقد العربي القديم , وتبيَّنت أنَّ الإحجام في جزء منه كان مبنيّاً على تصوّر إهمال محور المتلقي في ذلك النقد, اقتناعاً بما ذكره أصحاب نظريّة التلقي من أنَّ التوجّه إلى دراسة المتلقي وقضاياه إنّما هو توجّه حديث, ساد في الدّراسات النقديّة بعد أن أُهمل هذا المحور كثيراً في سياق الاهتمام بالمبدع ومن ثمَّ النصّ. وإذا كان هذا الرأي مقبولاً فيما يخصّ النقد الغربي وصيرورته التاريخيّة, وتعاقب المناهج فيه على ما تمليه الناحية الظرفيّة وسياق التحوّلات, فلا يُقبل هذا الرأي في إطلاقه على ما يتعلّق بالآداب الأخرى, وهو ما وقع فيه بعض النقّاد العرب المعاصرين حين اطمأنّوا لمقولة التعميم هذه, دون استقصاء حقيقي يثبت صحتها, وقد كان الردّ في موضعه من البحث حول هذا الرأي وعدم صحته, إذ تبيّن للباحث -كما هو حال من بحث هذه القضيّة- أنَّ محور المتلقي من أهم المحاور التي اهتمّ بها النقد العربي القديم, وقد وصلت في ذلك إلى نتائج مهمّة يمكن إيجازها فيما يلي:
1 - …لايمكن معاملة النقد العربي القديم ونقّاده بآراء مسقطة تحاول أن تضمّهم في حيّز واحد, إذ تبيّن من خلال بحث قضيّة التلقي في ذلك النقد تعدّد آراء أولئك النقّاد, واختلاف توجههم, وربما تباين المواقف في بعض الأحيان, وهو ما يُثري ذلك النقد, ويجعل من إطلاق الأحكام مجانباً للصّواب في كثير من الأحيان.
2 - …إذا كان التوجّه إلى المتلقي في الآداب الأخرى إنّما هو محل العناية في العصر الحديث بعد أن أُهمل هذا المحور كثيراً, فإنَّ النقد العربي القديم لم يُهمل المتلقي في خطابه النقدي, بل جعل له في كثير من المواضع اليد الطولى, ولعلّ من أهمّ هذه المواضع ما يتعلّق بإصدار الحكم, وهي وظيفة نيطت بالمتلقي, واهتُمّ بها كثيراً -على ما وُضِّح-, بالإضافة إلى رسم أُفق التوقّع للمتلقين كما هو في (عمود الشّعر) مثلاً, وقيام مؤلّفات بأكملها انطلاقاً من هذا المحور كما في (الموازنة) للآمدي و (الوساطة) للقاضي الجرجاني, وهو ما يُفنّد زعم إهمال المتلقي والتركيز على المبدع أو النصّ.
3 - …يحتاج موضوع التلقي ودراسته في النقد العربي القديم إلى تراكمات نقديّة تستفيد من المجالات التي لا تزال خصبة وبحاجة للبحث في سبيل إثراء هذا الموضوع.
4 - …حاولت هذه الدّراسة أن ترسم صورة أُفقيّة للتلقي وقضاياه في النقد العربي القديم, عبر الوقوف على حيّز ممتد من الزمن, وقد ثبت من خلال الدرس والتحليل إمكانيّة أن يُستثمر بحث التلقي بطريقة عموديّة تقف على ناقدٍ من النقّاد الذين لهم إسهام واضح في معالجة هذه القضيّة, وضمن حيّز هذا البحث من الممكن أن يُطرح ناقد كالإمام عبدالقاهر الجرجاني, إذ برهن على مقدرة فائقة في مجال التلقي على المستوى النظري والتطبيقي, وإذا كان بحث القضايا النقديّة عنده قد أخذ جانباً من اهتمام النقد العربي المعاصر, فما يمنحه مدخل التلقي في دراسة نقده هو ترابط الأفكار ولمّ القضايا, لاسيّما وأنَّ مؤدّى نظريّته (نظريّة النظم) متّصل بجماليّة التلقي.
5 - …لابدّ أن يستفاد من النظرات الإيجابيّة التي يحتويها النقد العربي القديم, وقد أبان مدخل التلقي بإجرائيّته شيئاً من هذه الإيجابيّة, وخير سبيلٍ لذلك هو عدم الوقوف على مجرّد الدّراسة التاريخيّة, والاكتفاء بذلك, بل لا بُدّ أن يُستثمر ذلك في صالح النقد العربي الحديث, الذي هو بحاجة ماسّة لإيجاد رؤية واضحة له في خضم الاضطراب الحاصل, وما يؤمن به الباحث أنَّ النقد العربي القديم من الممكن أن يؤصِّل لانطلاقة نقديّة مباركة, متى ما حصل جهد في بحث هذا التراث وإبداع البناء عليه.