ولم يزد عليه ، ثم قال لا أدخل المدينة إنما أنا بها بين شامت بنكبة ، أو حاسد لنعمة فمضى إلى قصره قال له عيسى بن طلحة : لا أبا لشانئيك أرني هذه المصيبة التي نعزيك فيها ، فكشف له عن ركبته ، فقال له عيسى : أما والله ما كنا نُعِدُكَ للصراع قد أبقى الله أكثرك عقلك ، ولسانك ، وبصرك ، ويداك وإحدى رجليك ، فقال له : يا عيسى ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به ؛ ولما أرادوا قطع رجله قالوا :لو سقيناك شيئاً كيلا تشعر بالوجع ، فقال : إنما ابتلاني ليرى صبري أفأعارض أمره ؛ وسئل ابنه هشام كيف كان أبوك يصنع برجله الذي قطعت إذا توضأ ؟ قال : كان يمسح عليها .
وخلاصة هذه القصة أن عروة بن الزبير وهو في سفره فقد ابنه الذي كان معه في السفر ، ثم ابتلى بمرض فقطعت رِجله فانظر إلى صبره وتعليقه تجد قوة إيمان وسيل من الرضى المتدفق ، وانظر إلى محادثته مع رِجله التي قطعت ، وإلى عزاء عيسى بن طلحة له تجد همة عالية آثرت ما عند الله ـ - عز وجل - ـ .
6 ـ معنى قوله ﴿ فصبرٌ جميل ﴾
قال حسان بن أبي جبلة في قوله تعالى :﴿ فصبر جميل ﴾[ يوسف : 83 ]
أي : لا شكوى فيه .
وقال مجاهد : فصبر جميل من غير جزع .
وقال عمرو بن قيس : فصبر جميل قال الرضا بالمصيبة والتسليم .
وقال الحسن : ما جرعتين أحب إلى الله من جرعة مصيبة موجعة محزنة ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر ، وجرعة غيظ ردها بحلم .
7 ـ معنى قوله تعالى : ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ [ البقرة : 156 ]
قال سعيد بن جبير : الصبر اعتراف العبد لله بما أصابه منه واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه إلا الصبر .
يقول ابن القيم : فقوله : اعتراف العبد لله بما أصابه منه كأنه تفسير لقوله ﴿ إنا لله ﴾ فيعترف أنه ملك لله يتصرف فيه مالكه بما يريد ؛