... قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم والداعية المؤمن أكبر من السلطة والدنيا، لأنه عرف الدنيا على حقيقتها، وأدرك كنهها وطبيعتها، فهى ليست له بدار مقام، ولكنه فيها كعابر سبيل يبحث عن الطريق إلى الدار الباقية، ويبحث عن الزاد الذى يعينه على السير فى هذا الطريق حتى نهايته فيجد فى تقوى الله خير زاد، وفى رضوان الله أفضل غاية، فلا يعمل إلا الله ولله وحده لا يبتغى الأجر إلا من الله وحده، لا يطمع فى جزاء الناس أو شكرهم له فى حياته، كما لا يطمع فى مدحهم وثنائهم بعد مماته، لأن رضاهم لا ينفعه بدون رضا الله، ومدحهم لا يجديه نفعا إذا لم يزده قربى من الله، ولكن حسن الذكرى جائزة معجلة يمنحها الله للمؤمنين، فقد روى مسلم عن أبى ذر رضى الله عنه أنه قال يا رسول الله ((الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به؟!)). فقال عليه الصلاة والسلام ((تلك عاجل بشرى المؤمن)) وصدق الله العظيم (الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة. لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم)(1)0
... لقد عاش حسن البنا لله، ووهب حياته للدعوة لله وكان هدفه رضوان الله، فصغرت فى عينيه الدنيا بكاملها، فلم يكن يبتغى فيها من الناس جزاء ولا شكورا ولا زعامة ولا مالا، بل كان يفرغ من جيبه بجيوبهم، ويدلى من دلوه بدلائهم، فلم يكن يخشى غير الله ربا، ولا يضمر لأحد أذى ولا شرا، تهفوا نفسه للشهادة فى سبيل الله فى كل حين، فقد كان رحمه الله يسأل الله الشهادة دائماً أثناء سجوده، لقد صدق الله فصدقه الله، وأقر عينه وإستجاب دعاءه، وألحقه فى موكب النبيين والصديقين والشهداء فى مقعد صدق عند مليك مقتدر 0
1- نشأته وحياته :
(1) سورة يونس : 64