لقد شافه الداعي الأمين قومه بذلك، وصدع بالحق إظهارًا للثبات على الدين وعدم المبالاة بما يصدر عن المتعنتين، وإن إضافة الرب إلى ضمير المخاطبين في (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) لتحقيق الحق والتنبيه على بطلان ما هم عليه من اتخاذ الأصنام أربابًا، أي: إني آمنت بربكم الذي خلقكم (فَاسْمَعُونِ)، أي: فاسمعوا قولي واقبلوه، فإني لا أبالي بما يكون منكم بعد ذلك.
لقد كان هذا الداعي الأمين قوي الحجة، ساطع البرهان، صادق اللهجة، ثابت الجنان، عظيم الرغبة في الخير لنفسه وللناس، اعتصم بحبل الله، وأخلص العمل لله، وثابر في الدعاء إلى الله حتى حظى بالشهادة، ونال الكرامة، وفاز بالرضوان، وفرح بلقاء ربه، فقد ضاقت صدور الملحدين، وتحير أمام الحجة البالغة الحاقدون المناوئون، فوثبوا على الرجل الصالح وثبة رجل واحد فقتلوه (قيل رجموه، وقيل حرقوه، وقيل وطؤوه بأرجلهم) ولم يكن له أحد من القوم يمنع عنه، ويرد هجمتهم الشرسة. فلم يزالوا به حتى فاضت روحه إلى بارئها، وظل القلب الطاهر يهتف"اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون".
ياليب قومي يعلمون
وجاءته البشرى، واستقبلته ملائكة الرحمة، ووجد دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، لقد كان رحيمًا بالناس فرحمه رب الناس: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) فلما شاهدها (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ *بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي) [يس: 26، 27]، أي بغفران ربي لي.
لقد أذهب الله عن حبيب حزن الدنيا وسَقْمهَا ونصَبَها، وهو المؤمن الناصح، فلما عاين من كرامة الله تمنى على الله أن يعلم قومه ما عاين من الكرامة والرحمة والرضوان: (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ).