إن أي مسلم غيور، لتذهب نفسه حزناً وهماً على ما يصيب إخوانه في العقيدة، وهو مطالب بأن يبذل وسعه في سبيل التخفيف عنهم، وإن كان ما نقدمه حقيقة قليل جداً، وذلك لتراكم الظلم من كل جهة، ولبخل بعضنا وقعودهم عن بذل كل إمكاناتهم وقدراتهم في سبيل نصرة إخوانهم، ولكن لا يجوز لنا أن يجرفنا الهم والحزن إلى التخلي عن شيء من منهجنا تفادياً للمواجهة، وفي موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خباب - رضي الله عنه - وهو يأتيه شاكياً عند الكعبة تثبيت لتلك السنة في نفوس أصحابه بضرب المثل بما لاقاه أسلافهم من المؤمنين، ثم ثبته بتأكيد نصر الله لهم ولو بعد حين ..
يقول خباب:» أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو مُحْمَرٌ وجهه فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد مادون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله «(البخاري 7/ 164).
وكذلك خرج بأصحابه مثخناً بالجراحات يوم أُحد، وذهب منهم سبعون شهيداً من خيرة الصحابة، وهو عدد ليس بقليل في ذلك الوقت من عمر الدعوة، لقد كانوا عشر جيش المسلمين، فماذا كان من الرسول بعد هذا البلاء المبين؟ يقول ابن إسحاق: (قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم نفرا من أصحابه) (التهذيب/194) ثم كان ما كان من هذيل في يوم الرجيع إذ قتل وفد رسول الله جميعهم، وكانوا ستة كما عدهم ابن إسحاق.