ووقفة أخرى مع موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يرى أتباعه يعذبون: لقد أصاب رسول الله أذى من المشركين، لكنهم لم يكونوا ليبلغوا منه شيئاً كثيراً لمكانة عشيرته بينهم، ولكن عديداً من أصحابه واجه فتنة لا طاقة لكثير من البشر بها، فماذا كان موقف الرسول من ذلك؟.
لقد أبدى الرسول تعاطفاً شديداً وشفقة حانية على أتباعه من المعذبين، فكان يمر بآل ياسر، ويثبتهم على مصابهم، ويعدهم الجنة، وكذلك كان حال المسلمين ممن لم يصبهم الأذى، فهذا أبو بكر ينفق ماله على إعتاق المعذبين من الرقيق.
ولم ينته دور الرسول عند التعاطف والإشفاق، بل كان يبحث عن كل ما من شأنه أن يخفف المصاب عن أتباعه من حلول عملية.
فكان يأمر من أسلم من الضعفاء أو ممن يخشى عليه الفتنة أن يكتم إسلامه عن أهله، ويأمر بعض من يأتيه من قبائل العرب مسلماً أن يعود إلى قبيلته لأنه لا سند له بمكة.
ولما علم أن في الحبشة ملكاً لا يظلم أمرهم بالهجرة إليه فراراً بدينهم.
إذن: كان الرسول يرفع من معنوياتهم، ويذكرهم بالأجر والثواب، ويؤكد نصر الله إياهم بعد حين، وفي نفس الوقت كان يبحث لهم عن حلول عملية تخفف من وقع الفتنة عليهم.
إن التعاطف والسعي لتخفيف وطأة التعذيب على المسلمين أمر مطلوب، وواجب على القيادة المسلمة تجاه أتباعها، أما التخلي عن شيء من المنهج، ولا أقول الأسلوب والسياسة، تفادياً للمواجهة، واتقاءً لبطش الجاهليين، فأمر لا يرضاه الله، وقد عصم منه رسوله، وللأسف فقد سقط في هذا المزلق بعض المخلصين بدافع إخلاصهم وشفقتهم على إخوانهم.
إن الإسلام وهو دين الرحمة قد جعل للأفراد رُخَصاً يجيز لهم الأخذ بها وقت الشدائد تصل إلى التلفظ بكلمة الكفر، ولكن لا يجوز لأحد مهما بلغت به الفتنة أن يهادن في دين الله أو يحرف في منهجه.