وَكَانَ إذَا رُفِعَ الطّعَامُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيّ وَلَا مُوَدّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبّنَا عَزّ وَجَل ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ . [ ص 365 ] كَانَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ وَكَانَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي كَفَانَا وَآوَانَا وَذَكَرَ التّرْمِذِيّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنّي وَلَا قُوّةٍ غَفَرَ اللّهُ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ إذَا قُرّبَ إلَيْهِ الطّعَامُ قَالَ بِسْمِ اللّهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ " اللّهُمّ أَطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ وَهَدَيْتَ وَأَحْيَيْتَ فَلَك الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ " وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَفِي " السّنَنِ " عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا فَرَغَ " الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي مَنّ عَلَيْنَا وَهَدَانَا ، وَاَلّذِي أَشْبَعَنَا وَأَرْوَانَا ، وَمِنْ كُلّ الْإِحْسَانِ آتَانَا " حَدِيثٌ حَسَنٌ . [ ص 366 ] وَفِي " السّنَنِ " عَنْهُ أَيْضًا إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُل اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ . وَمَنْ سَقَاهَ اللّهُ لَبَنًا ، فَلْيَقُلْ اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ فَإِنّهُ لَيْسَ شَيْءٌ وَيُجْزِئُ عَنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ غَيْرُ اللّبَنِ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ إذَا شَرِبَ فِي الْإِنَاءِ تَنَفّسَ ثَلَاثَةَ أَنْفَاسٍ وَيَحْمَدُ اللّهَ فِي كُلّ نَفَسٍ وَيَشْكُرُهُ فِي آخِرِهِنّ
فَصْلٌ [ أَحْكَامُ الدّعْوَةِ إلَى الطّعَامِ ]
وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ رُبّمَا يَسْأَلُهُمْ هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ ؟ وَمَا عَابَ طَعَامًا قَطّ ، بَلْ كَانَ إذَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ وَسَكَتَ وَرُبّمَا قَالَ أَجِدُنِي أَعَافُهُ إنّي لَا أَشْتَهِيهِ [ ص 367 ] وَكَانَ يَمْدَحُ الطّعَامَ أَحْيَانًا ، كَقَوْلِهِ لَمّا سَأَلَ أَهْلَهُ الْإِدَامَ فَقَالُوا : مَا عِنْدَنَا إلّا خَلّ ، فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ الْأُدْمُ الْخَلّ وَلَيْسَ فِي هَذَا تَفْضِيلٌ لَهُ عَلَى اللّبَنِ وَاللّحْمِ وَالْعَسَلِ وَالْمَرَقِ وَإِنّمَا هُوَ مَدْحٌ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ الّتِي حَضَرَ فِيهَا ، وَلَوْ حَضَرَ لَحْمٌ أَوْ لَبَنٌ كَانَ أَوْلَى بِالْمَدْحِ مِنْهُ وَقَالَ هَذَا جَبْرًا وَتَطْيِيبًا لِقَلْبِ مَنْ قَدّمَهُ لَا تَفْضِيلًا لَهُ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الْإِدَامِ . وَكَانَ إذَا قُرّبَ إلَيْهِ طَعَامٌ وَهُوَ صَائِمٌ قَالَ إنّي صَائِمٌ وَأَمَرَ مَنْ قُرّبَ إلَيْهِ الطّعَامُ وَهُوَ صَائِمٌ أَنْ يُصَلّيَ أَيْ يَدْعُو لِمَنْ قَدّمَهُ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ . وَكَانَ إذَا دُعِيَ لِطَعَامٍ وَتَبِعَهُ أَحَدٌ ، أَعْلَمَ بِهِ رَبّ الْمَنْزِلِ وَقَالَ إنّ هَذَا تَبِعَنَا ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ وَكَانَ يَتَحَدّثُ عَلَى طَعَامِهِ كَمَا تَقَدّمَ فِي حَدِيثِ الْخَلّ وَكَمَا قَالَ لِرَبِيبِهِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ يُؤَاكِلُهُ سَمّ اللّهَ وَكُلْ مِمّا يَلِيك . [ ص 368 ] كَانَ يُكَرّرُ عَلَى أَضْيَافِهِ عَرْضَ الْأَكْلِ عَلَيْهِمْ مِرَارًا ، كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْكَرَمِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هَرِيرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيّ فِي قِصّةِ شُرْبِ اللّبَنِ وَقَوْلِهِ لَهُ مِرَارًا : اشْرَبْ " ، فَمَا زَالَ يَقُولُ اشْرَبْ حَتّى قَالَ وَاَلّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ لَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا وَكَانَ إذَا أَكَلَ عِنْدَ قَوْمٍ لَمْ يَخْرُجْ حَتّى يَدْعُوَ لَهُمْ فَدَعَا فِي مَنْزِلِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُسْرٍ ، فَقَالَ اللّهُمّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ . وَدَعَا فِي مَنْزِلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصّائِمُونَ ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ وَصَلّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ لَمّا دَعَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التّيْهَانِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَأَكَلُوا ، فَلَمّا فَرَغُوا قَالَ أَثِيبُوا أَخَاكُمْ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَا إثَابَتُهُ ؟ قَالَ " إنّ الرّجُلَ إذَا دُخِلَ بَيْتُهُ فَأُكِلَ طَعَامُهُ وَشُرِبَ شَرَابُهُ فَدَعَوْا لَهُ فَذَلِكَ إثَابَتُهُ . وَصَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ لَيْلَةً فَالْتَمَسَ طَعَامًا فَلَمْ يَجِدْهُ فَقَالَ اللّهُمّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي ، وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي . [ ص 369 ] عَمْرَو بْنَ الْحَمِقِ سَقَاهُ لَبَنًا فَقَالَ اللّهُمّ أَمْتِعْهُ بِشَبَابِهِ فَمَرّتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً لَمْ يَرَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ . وَكَانَ يَدْعُو لِمَنْ يُضِيفُ الْمَسَاكِينَ وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ فَقَالَ مَرّةً أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا رَحِمَهُ اللّهُ وَقَالَ لِلْأَنْصَارِيّ وَامْرَأَتِهِ اللّذَيْنِ آثَرَا بِقُوتِهِمَا وَقُوتِ صِبْيَانِهِمَا ضَيْفَهُمَا : لَقَدْ عَجِبَ اللّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللّيْلَةَ