صَرِيحٌ فِي رَفْضِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ اُرْفُضِيهَا وَدَعِيهَا ، وَالثّانِي : أَمْرُهُ لَهَا بِالِامْتِشَاطِ . قِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ اُرْفُضِيهَا : اُتْرُكِي أَفْعَالَهَا وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا ، وَكُونِي فِي حَجّةٍ مَعَهَا ، وَيَتَعَيّنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ حَلَلْتِ مِنْهُمَا جَمِيعًا لَمّا قَضَتْ أَعْمَالَ الْحَجّ . وَقَوْلُهُ يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجّكِ وَعُمْرَتِكِ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ لَمْ يُرْفَضْ وَإِنّمَا رُفِضَتْ أَعْمَالُهَا وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا ، وَأَنّهَا بِانْقِضَاءِ [ ص 95 ] أَعْمَرَهَا مِنْ التّنْعِيمِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا ، إذْ تَأْتِي بِعُمْرَةٍ مُسْتَقِلّةٍ كَصَوَاحِبَاتِهَا ، وَيُوَضّحُ ذَلِكَ إيضَاحًا بَيّنًا ، مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " ، مِنْ حَدِيثِ الزّهْرِيّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَلَمْ أُهِلّ إلّا بِعُمْرَةٍ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ ، وَأُهِلّ بِالْحَجّ ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ قَالَتْ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتّى إذَا قَضَيْتُ حَجّي ، بَعَثَ مَعِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مِنْ التّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الّتِي أَدْرَكَنِي الْحَجّ وَلَمْ أُهِلّ مِنْهَا فَهَذَا حَدِيثٌ فِي غَايَةِ الصّحّةِ وَالصّرَاحَةِ أَنّهَا لَمْ تَكُنْ أَحَلّتْ مِنْ عُمْرَتِهَا ، وَأَنّهَا بَقِيَتْ مُحْرِمَةً حَتّى أَدْخَلَتْ عَلَيْهَا الْحَجّ فَهَذَا خَبَرُهَا عَنْ نَفْسِهَا ، وَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهَا ، كُلّ مِنْهُمَا يُوَافِقُ الْآخَرَ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . وَفِي قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا ، وَالْحَجّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلّا الْجَنّةُ دَلِيلٌ عَلَى التّفْرِيقِ بَيْنَ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ فِي التّكْرَارِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَوْ كَانَتْ الْعُمْرَةُ كَالْحَجّ لَا تُفْعَلُ فِي السّنَةِ إلّا مَرّةً لَسَوّى بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُفَرّقْ . وَرَوَى الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ عَنْ عَلِيّ رضي الله عنه، أَنّهُ قَالَ : اعْتَمِرْ فِي كُلّ شَهْرٍ مَرّةً وَرَوَى وَكِيعٌ ، عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَال، قَالَ عَلِيّ رضي الله عنه : اعْتَمِرْ فِي الشّهْرِ إنْ أَطَقْتَ مِرَارًا وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسٍ ، أَنّ أَنَسًا كَانَ إذَا كَانَ بِمَكّةَ فَحَمّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ إلَى التّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَ
فَصْلٌ فِي سِيَاقِ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حَجّتِهِ
[ لَمّا فُرِضَ الْحَجّ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ بَادَرَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْهِ عَلَى الْفَوْرِ سَنَةَ عَشْرٍ وَهِيَ حَجّتُهُ الْوَحِيدَةُ ]
[ ص 96 ] الْمَدِينَةِ سِوَى حَجّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ حَجّةُ الْوَدَاعِ وَلَا خِلَافَ أَنّهَا كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ . وَاخْتُلِفَ هَلْ حَجّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ؟ فَرَوَى التّرْمِذِيّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ حَجّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَلَاثَ حِجَجٍ حَجّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَحَجّةً بَعْدَمَا هَاجَرَ مَعَهَا عُمْرَةٌ قَالَ التّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ . قَالَ وَسَأَلْتُ مُحَمّدًا - يَعْنِي الْبُخَارِيّ - عَنْ هَذَا ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَدِيثِ الثّوْرِيّ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُعَدّ هَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظًا . وَلَمّا نَزَلَ فَرْضُ الْحَجّ بَادَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْحَجّ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ فَإِنّ فَرْضَ الْحَجّ تَأَخّرَ إلَى سَنَةِ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ وَأَمّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ وَأَتِمّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ﴾ [ الْبَقَرَةُ 196 ] ، فَإِنّهَا وَإِنْ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَلَيْسَ فِيهَا فَرْضِيّةُ الْحَجّ وَإِنّمَا فِيهَا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ وَإِتْمَامِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الشّرُوعِ فِيهِمَا ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الِابْتِدَاءِ فَإِنْ قِيلَ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ تَأْخِيرُ نُزُولِ فَرْضِهِ إلَى التّاسِعَةِ أَوْ الْعَاشِرَةِ ؟ قِيلَ لِأَنّ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَ عَامَ الْوُفُودِ وَفِيهِ قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَالْجِزْيَةُ إنّمَا نَزَلَتْ عَامَ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ وَفِيهَا نَزَلَ صَدْرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَان ، وَنَاظَرَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَدَعَاهُمْ إلَى التّوْحِيدِ وَالْمُبَاهَلَةِ وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنّ أَهْلَ مَكّةَ وَجَدُوا فِي نُفُوسِهِمْ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ التّجَارَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَمّا أَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ [ التّوْبَةُ 28 ] ، فَأَعَاضَهُمْ اللّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ بِالْجِزْيَةِ . وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْمُنَادَاةُ بِهَا ، إنّمَا كَانَ فِي سَنَةِ [ ص 97 ] ، وَبَعَثَ الصّدّيقَ يُؤَذّنُ بِذَلِكَ فِي مَكّةَ فِي مَوَاسِمِ الْحَجّ وَأَرْدَفَهُ بِعَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَهَذَا الّذِي ذَكَرْنَاهُ قَدْ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السّلَفِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .