ولربما ضحك صلى الله عليه وسلم من حدث عامًا كاملاً؛ فعن أم سلمة أن أبا بكر خرج تاجرًا إلى بصرى ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة وكلاهما بدري، وكان سويبط على الزاد، فجاءه نعيمان فقال: أطعمني، فقال: لا حتى يأتي أبو بكر، وكان نعيمان رجلا مضحاكًا مزاحًا، فقال: لأغيظنك، فذهب إلى أناس جلبوا ظهرًا(30)، فقال: ابتاعوا(31) مني غلامًا عربيًا فارهًا، وهو ذو لسان، ولعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوني لا تفسدوا عليَّ غلامي، فقالوا: بل نبتاعه منك بعشر قلائص(32)، فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال للقوم: دونكم هو هذا.
فجاء القوم فقالوا: قد اشتريناك، قال سويبط: هو كاذب، أنا رجل حر. فقالوا: قد أخبرنا خبرك، وطرحوا الحبل في رقبته فذهبوا به، فجاء أبو بكر فأخبر، فذهب هو وأصحاب له فردوا القلائص وأخذوه، فضحك منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا"(33).
بيد أن هذا لم يكن هو الحال الدائم أو الصفة الملازمة، وهذا ما يؤكده حديث جابر حيث قال: "كان لا ينبعث في الضحك"(34). وكان لا ينبعث في الضحك أي لا يسترسل فيه.
ولله در صاحب كتاب "تأويل مختلف الحديث" حين قال: "فلو ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريق الطلاقة والهشاشة والدماثة إلى القطوب والعبوس والزماتة أخذ الناس أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة من المشقة والعناء، فمزح صلى الله عليه وسلم ليمزحوا، ووقف على أصحاب الدركلة(35) وهم يلعبون فقال: "خذوا يا بني أرفدة؛ ليعلم اليهود أن في ديننا فسحة"(36). يريد ما يكون في العرسات لإعلان النكاح، وفي المآدب لإظهار السرور.
وقد درج الصالحون والأخيار على أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبسم والطلاقة والمزاح بالكلام المجانب للقدح والشتم والكذب، فكان علي رضي الله عنه يكثر الدعابة.
-----------------------------------------------------
* باحث مصري في العلوم الشرعية، مقيم في قطر. ويمكنكم التواصل معه أو مراسلتنا بمشاركاتكم وآرائكم على بريد الصفحة: alhabib@iolteam.com.
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الصلاة رقم (441)، ومسلم في فضائل الصحابة (2409).
(2) مَكِّني من القصاص.
(3) ما بين الخاصرة إلى الضلع الأقصر من أضلاع الجنب.
(4) سبق تخريجه.
(5) سبق تخريجه.
(6) رواه أبو داود في الأدب (5000)، وذكره الألباني في صحيح أبي داود (4181).
(7) رواه الطبراني في الكبير، وقال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه جبارة بن المغلس، وثقه ابن نمير ونسبه غير واحد إلى الكذب (8/ 56).
(8) رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني في الشمائل المحمدية (204).
(9) رواه أحمد (24119 ، 24118) وقال محققو المسند: إسناده صحيح، ورواه أبو داود (2578)، وابن ماجه (2010) عن عائشة، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" برقم (1502).
(10) متفق عليه- رواه البخاري في العيدين (4938)، ومسلم في صلاة العيدين (892).
(11) رواه الترمذي في الشمائل وعبد بن حميد وغيرهم، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط، وذكره الألباني في غاية المرام برقم (375).
(12) رواه ابن أبي الدنيا، وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: أخرجه الزبير بن بكار في كتاب "الفكاهة"، ورواه ابن الدنيا من حديث عبيدة بن سهم مع اختلاف.
(13) رواه البخاري في الأدب برقم (6129)، ومسلم في الآداب رقم (3150).
(14) رواه الترمذي وأبو داود، وذكره الألباني في صحيح الجامع رقم (7909).
(15) رواه مسلم في الفضائل رقم (2310).
(16) رواه الحاكم (3/170) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: لا. وأخرجه أبو يعلى عن ابن عمر. وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. ورواه البزار بسند ضعيف (9/181).