تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الثاني عشر في معرفة مداخل الشيطان على النفس وقطع الطرق عليها

إن للشيطان دخلاً في التأثير على النفوس - إلاّ من عصمه الله تعالى - والشيطان يأتي النفوس من خلال غرائزها وشهواتها الحسية والمعنوية وهو خبير بنقاط الضعف لدى الإِنسان، لذلك كان من وسائل تحصين النفس، وبالتالي من وسائل تزكية النفس، معرفة مداخل الشيطان على الإِنسان، ولذلك جعلنا هذا الفصل ههنا، قال الغزالي رحمه الله:

بيان تفصيل مداخل الشيطان إلى القلب

اعلم أنّ مثال القلب مثال حصن والشيطان عدوّ يريد أن يدخل الحصن فيملكه ويستولي عليه، ولا يقدر على حفظ الحصن من العدوّ إلا بحراسة الحصن ومداخله ومواضع ثُلَمِهِ، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يدري أبوابه فحماية القلب عن وسواس الشيطان واجبة وهو فرض عين على كل عبد مكلف، وما لا يُتَوصلُ إلى الواجب إلا به فهو أيضاً واجب، ولا يُتَوصَّلُ إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله فصارتْ معرفة مداخله واجبة. ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد وهي كثيرة، ولكنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان.

فمن أبوابه العظيمة: الغضب والشهوة، فإنّ الغضب هو غول العقل، وإذا ضعف جند العقل هجم جند الشيطان ومهما غضب الإِنسان لعب الشيطان به كما يلعب الصبي بالكرة.

ومن أبوابه العظيمة الحسد والحرص فمهما كان العبد حريصاً على كل شيء أعماه حرصه وأصمه إذ قال صلى الله عليه وسلم "حبك لشيء يُعمي ويصم" [أخرجه الترمذي] ونور البصيرة هو الذي يعرف مداخل الشيطان فإذا غطّاه الحسد والحرص لم يبصر فحينئذ يجد الشيطان فرصة فيحسّن عند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته وإن كان منكراً وفاحشاً.

ومن أبوابه العظيمة: الشبع من الطعام وإن كان حلالاً صافياً، فإنّ الشبع يقوّي الشهوات والشهوات أسلحة الشيطان.

ومن أبوابه: حب التزين من الأثاث والثياب والدار، فإن الشيطان إذا رأى ذلك غالباً على قلب الإِنسان باض فيه وفرخ، فلا يزال يدعوه إلى عمارة الدار وتزيين سقوفها وحيطانها وتوسيع أبنيتها ويدعوه إلى التزين بالثياب والدواب ويستسخره فيها طول عمره، وإذا أوقعه في ذلك فقد استغنى أن يعود إليه ثانية.

ومن أبوابه العظيمة: الطمع في الناس: لأنه إذا غلب الطمع على القلب لم يزل الشيطان يحبب إليه التصنع والتزين لمن طمع فيه بأنواع الرياء والتلبيس حتى يعود المطموع فيه كأنه معبوده فلا يزال يتفكر في حيلة للتودد والتحبب إليه ويدخل كل مدخل للوصول إلى ذلك. وأقل أحواله الثناء عليه بما ليس فيه والمداهنة له بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومن أبوابه العظيمة: العجلة وترك التثبت في الأمور، قال صلى الله عليه وسلم: "العجلة من الشيطان والتأني من الله تعالى". [أخرجه الترمذي] وقال عز وجل: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] وقال تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولا﴾

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٧٠٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٧٠٥٦