تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(1) الاخبار الواردة في حق المجتهدين أخرجها أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح "رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته".

قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55] وسبيلك أن تقبل عليها فتقرر عندها جهلها وغباوتها وأنها أبداً تغترّ بفطنتها وهدايتها، ويشتدّ أنفها واستنكافها إذا نسبت إلى الحمق فتقول لها: يا نفس ما أعظم جهلك تَدَّعينَ الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشدّ الناس غباوة وحمقاً! أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار وأنك صائرة إلى إحداهما على القرب؟ فما لك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم وعساك اليوم تختطفين أو غداً، فأراك تَرَيْنَ الموتَ بعيداً ويراه الله قريباً؟ أما تعلمين أنَّ كل ما هو آتٍ قريبٌ وأن البعيد ما ليس بآت؟ أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول ومن غير مواعدة ومواطأة وأنه لا يأتي في شيء دون شيء، ولا في شتاء دون صيف، ولا في نهار دون ليل ولا في ليل دون نهار، ولا يأتي في الصبا دون الشباب، ولا في الشباب دون الصبا، بل كل نَفْسٍ من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة فإن لم يَكن الموتُ فجأة فيكون المرض فجأة ثم يفضي إلى الموت. فما لك لا تستعدين للموت وهو أقرب إليك من كل قريب؟ أما تتدبرين، قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: 1 - 3] ويْحَكِ يا نفسُ ما أعجبَ نفاقك ودواعيك الباطلة فإنك تدَّعين الإِيمان بلسانك وأثر النفاق ظاهر عليك ألم يقل لكِ سيدكِ ومولاك: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6] وقال في أمر الآخرة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] فقد تكفل لك بأمر الدنيا خاصة وصرفك عن السعي فيها فكذبته بأفعالك وأصبحتِ تتكالبين على طلبها تكالبَ المدهوشِ المستهتر، ووُكِل أمرُ الآخرة إلى سعيكِ فأعرضت عنها إعراض المغرور المستحقر! ما هذا من علامات الإِيمان؟ لو كان الإِيمان باللسان فَلِمَ كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار؟

الفصل العاشر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

و الأمر بمجاهدة النفس

لاحظ الصلة بين قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9].

وبين قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 35] فالفلاح في الآيتين الأخيرتين تعلَّقَ بالدعوة إلى الخير وبالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر وبالتقوى والعمل الصالح وبالجهاد مما يدّل على أن الفلاح المتعلّق بتزكية النفس يدخل فيه هذا كله.

إن الدعوة إلى الخير والمعروف تؤكدهما في النفس وذلك يزكيها، والنهي عن المنكر يقبّحه في النفس وذلك يزكيها، والجهاد تحرير للنفس من حب الحياة ومن حب الدنيا وبيع للنفس من ربها، وذلك أرقى ما تصل إليه النفس المزكاة، لذلك كانت الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد من وسائل تزكية النفس.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٧٠٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٧٠٥٤