بمعرفتك بنفسك وتزيل الفخر بالتذكر للأصل الأول إذ الناس يجمعهم في الانتساب أب واحد، وإنما اختلفوا في الفضل أشتاتاً فبنو آدم جنس واحد وإنما الفخر بالفضائل، والفخر والعجب والكبر أكبر الرذائل وهي أصلها ورأسها، فإذا لم تخل عنها فلا فضل لك على غيرك.
فضيلة كظم الغيظ
قال الله تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ [آل عمران: 134] وقد ذكر ذلك في معرض المدح.
وقال صلى الله عليه وسلم: "أشدّكم من غلب نفسه عن الغضب وأحلمكم من عفا عند القدرة" [رواه البيهقي في الشعب بالشطر الأول مرسلاً بإسناد جيد] وقال صلى الله عليه وسلم: "من كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه لأمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا" وفي رواية "ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً" [أخرجه أبو داود وابن حبان] وقال عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما جرع جرعة أعظم أجراً من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى". [أخرجه ابن ماجه].
الآثار: قال عمر رضي الله عنه: من اتقى الله لم يشف غيظه ومن خاف الله لم يفعل ما يشاء ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون.
القول في معنى الحقد ونتائجه وفضيلة العفو والرفق
اعلم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقداً، ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقال المحقو عليه والبغضة له والنفار عنه وأن يدوم ذلك ويبقى، فالحقد ثمرة الغضب.
والحقد يثمر ثمانية أمور:
) - الأول) الحسد: وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه فتغتّم بنعمة إن أصابها وتسر بمصيبة إن نزلت به، وهذا من فعل المنافقين.
) -الثاني) أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن، فتشمت بما أصابه من البلاء.
- (الثالث) أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه وإن طلبك وأقبل عليك.
- (الرابع) وهو دونه أن تعرض عنه استصغاراً له.
- (الخامس) أن تتكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وإفشاء سر وهتك ستر وغيره.
- (السادس) أن تحاكيه استهزاء به وسخرية منه.
(السابع) إيذاؤه بالضرب وما يؤلم بدنه.
- (الثامن) أن تمنعه حقه من قضاء دين أو صلة رحم أو ردّ مظلمة. وكل ذلك حرام.
الفقرة العاشرة: في حبّ الدنيا
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: 7] فحب الدنيا والاطمئنان لها ونسيان الآخرة يترتّب عليه كسب يستحق به صاحبه دخول النار، وبأدنى تأمّل يستطيع الإِنسان أن يعرف كسب أهل الدنيا الذي يستحقّون به النار، إنّ طالب الدنيا لا يهمّه إلاّ قضاء شهواته ولذّاته والوصول إلى أطماعه دون قيود ولا ضوابط فهو وراء المرأة والخمرة والكسب الحرام واللعب واللهو والزينة والفخر والجاه وكل ما يعتبره لذيذاً أو مبهجاً أو نافعاً أو رافعاً.