والتعاون في الخير، ومن ههنا ندرك خطورة العجب والشُّحِّ وحب الدنيا واتباع الهوى على الحياة البشرية عموماً وعلى الحياة الإِسلامية خصوصاً.
إنه مع العجب يوجد الرضا عن النفس، والرضا عن النفس يتفرّع عنه الكثير من التقصير، والكثير من الأمراض، كالغرور وازدراء الآخرين ودعوى المقامات وغير ذلك حتّى إن ابن عطاء الله السكندري اعتبر الرضا عن النفس أصل كل بلاء. قال: (أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفّة عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه، فأي علم لعالمٍ يرضى عن نفسه، وأي جهلٍ لجاهل لا يرضى عن نفسه). ومن ههنا نعلم خطورة أمراض النفس على الحياة البشرية عموماً وعلى الحياة الإِسلامية خصوصاً، وعلى أي عمل جماعي.
بيان ذم العجب
اعلم أن العجب مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 25] ذكر ذلك في معرض الإِنكار وقال عز وجل: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: 2] فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]، وهذا أيضاً يرجع إلى العجب بالعمل. وقد يعجب الإِنسان بالعمل هو مخطئ فيه كما يعجب بعمل هو مصيب فيه. قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه"، وقال لأبي ثعلبة - حين ذكر آخر هذه الأمة فقال: "إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك" [أخرجه ابو داود، والترمذي].
بيان علاج العجب على الجملة
اعلم أن علاج كل علة هو مقابلة سببها بضدّه، وعلة العجب الجهل المحض، فعلاجه المعرفة المضادة لذلك الجهل فقط، فلنفرض العجب بفعل داخل تحت اختيار العبد كالعبادة والصدقة والغزو وسياسة الخلق وإصلاحهم، فإن العجب بهذا أغلب من العجب بالجمال والقوّة والنسب وما لا يدخل تحت اختياره ولا يراه من نفسه.
الفقرة السادسة: في الكبر
الكبر هو ابن العجب، ولذلك جعلناه بعده، لأن الكبر - كما عرفّه رسول الله صلى الله عليه وسلم - هو "غمط الناس وبطر الحق" وذلك جذره العميق هو العجب.
دعونا نتصوّر خطورة الكبر على الحياة البشرية من خلال تصوّرنا أنّ هذا المرض قد عمّ كل الناس فكيف يكون الحال:
تصوّروا أنّ كل إنسان قد ازدرى كلّ الناس فماذا يكون: لا يبقى في هذه الحالة احترام لأحد ولا هيبة لأحد ولا حرمة لأحد ولا أدب مع أحد، وتصوّروا حياة بشرية ليس فيها احترام ولا هيبة ولا حرمة ولا أدب، وهذا كلّه فرع الشق الأول من الكبر.
ثم تصوّروا أنّ كل إنسان في هذا العالم إذا عرض عليه الحق رفضه، فكيف يكون أمر هذا العالم؟ عندئذ لا يستطيع اثنان أن يتفاهما على شيء إلاّ بالقهر على الباطل، فما لم يجتمع الناس على حق، لا يجتمعون على باطل، وعندئذ فالقويّ هو الذي ينفذ