تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأخطار التي يستهدف لها أرباب الجاه في الدنيا، فإن كل ذي جاه محسود، ومقصود بالإِيذاء وخائف على الدوام على جاهه ومحترز من أن تتغير منزلته في القلوب، والقلوب أشدّ تغيراً من القِدْر في غليانها وهي مترددة بين الإِقبال والإِعراض، فكل ما يبنى على قلوب الخلق يضاهي ما يبنى على أمواج البحر فإنه لا ثبات له.

الفقرة الرابعة: في الحسد

الحسد هو تمنّي زوال النعمة عن المحسود، وهذه في بعض حالاتها كبيرة من الكبائر.

دعونا نتصوّر أنّ مرض الحسد قد عمّ، وبدأ كلّ حاسد يكيد لكل ذي نعمة عندئذ يعمّ الكيد ولا يسلم من شروره أحد، لأنّ كل إنسان كائد ومكيد، تصوّروا الحياة البشرية كيف تكون عندئذ.

القول في ذم الحسد وفي حقيقته وأسبابه ومعالجته وغاية الواجب

في إزالته.

بيان ذم الحسد

اعلم أن الحسد من نتائج الحقد، والحقد من نتائج الغضب فهو فرعُ فرعهِ والغضبُ أصله ثم إن للحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد يحصى. وقد ورد في ذم الحسد خاصة أخبار كثيرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". [أخرجه أبو داود]. وقال صلى الله عليه وسلم في النهي عن الحسد وأسبابه وثمراته: "لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً". [متفق عليه].

بيان حقيقة الحسد وحكمه وأقسامه ومراتبه

اعلم أنه لا حسد إلا على نعمة، فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان:

إحداهما: أن تكره دوام تلك النعمة عليه وتحب زوالها عنه، وهذه الحالة تسمى حسداً. فالحسد حدُّه كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه.

الحالة الثانية: أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكن تشتهي لنفسك مثلها. وهذه تسمى غبطة، وقد تختص باسم المنافسة.

بيان أسباب الحسد والمنافسة

السبب الأول: العدواة والبغضاء، وهذا أشدّ أسباب الحسد، فإن من آذاه شخص بسبب من الأسباب وخالفه في غرض بوجه من الوجوه أبغضه قلبه وغضب عليه ورسخ في نفسه الحقد.

السبب الثاني: التعزز، وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره. فإذا أصاب بعض أمثاله ولايةً أو علماً أو مالاً خافَ أن يتكبر عليه وهو لا يطيق تكبره، ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه وتفاخره عليه، وليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره، فإنه قد رضي بمساواته مثلاً، ولكن لا يرضى بالترفع عليه.

السبب الثالث: الكبر، وهو أن يكون في طبعه أن يتكبر عليه ويستصغره ويستخدمه ويتوقع منه الانقياد له والمتابعة في أغراضه، فإذا نال نعمة خاف أن لا يحتمل تكبره ويترفع عن متابعته، بل لربّما يتشوّف إلى مساواته أو إلى أن يترفع عليه فيعود متكبِّراً بعد أن كان متكبَّراً عليه.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٧٠٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٧٠٠٤