غير المحسّة، كمعاصي القلب واللسان، فكثيراً ما يكون الإِنسان حاسداً أو معجباً بنفسه أو متكبّراً وهو لا يشعر، كما أنّه كثيراً ما يقع في الغيبة والنميمة وهو غافل.
وهنا فارق بين المعصية والبدعة، فالعاصي يعرف أنّه في معصية أمّا المبتدع فيعتقد أنّه في بدعته على الحق، وأنّه أقربُ إلى الله ممن ليس على بدعته.
وأخطر أنواع البدع بدع الاعتقاد، وبدع الأعمال المجمع على بدعيتها عند أئمة الاجتهاد، أمّا ما اختلف فيه أئمة الاجتهاد فالأمر فيه واسع وعلى العبد أن يحتاط لدينه فيدور مع الدليل حيث دار إنْ كانَ أهلاً لمعرفة الدليل.
فعليك أيها السالك إلى الله أن تتخلص من كل أنواع الابتداع فذلك مع تجنبّك الكفر والنفاق والعصيان هو الذي يفتح أمامك باب الهداية والزيادة. قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: 17] فإذا ما طهر الإِنسان نفسه من أدران الكفر والنفاق والعصيان والابتداع، فعليه أن يتابع تطهير نفسه من بقايا الشرك الظاهر والخفي وذلك مضمون الفقرة الثانية:
الفقرة الثانية: في الشرك والرياء
أفظع أنواع الأمراض التي تُبْتلى بها الحياة البشرية الشركُ، لأنه إعطاء الربوبية لغير مستحقها، وتقديم أنواعٍ من العبودية لمن لا يستأهلها، ثم هو تمزيقٌ وتشتيت للقلب البشري، فلا يتوجّه بعد ذلك إلى جهة واحدة في العبودية والتلقّي ولا ينطلق في الحياة عن مشكاةٍ واحدة ولا بصيرة شاملة، فتراه يتعبَّد لحجر أو شجر أو كونٍ أو إنسان أو مجتمع ثم تتتابع حلقات الانحراف.
والمسلم الذي اعتنق التوحيد تخلّص من هذا كلّه، لكنّه يصيبه مرض الشرك الخفي الذي هو الرياء، فتراه يتصرّف عمليّاً وكأنه يتعبّد لفرد أو لمجتمع، ومن ههنا يقع في مرض الرياء الخطير الذي آثاره على صاحبه وعلى الأمّة خطيرٌ لأنّه خداع للنفس وللأمّة وإهلاك للنفس في الدنيا والآخرة.
بيان درجات الرياء
اعلم أن بعض أبوب الرياء أشد وأغلظ من بعض، واختلافه باختلاف أركانه وتفاوت الدرجات فيه. وأركانه ثلاثة: المراءى به، والمراءى لأجله، ونفس قَصْدِ الرياء.
الركن الأول: نفس قصد الرياء وذلك لا يخلو إما أن يكون مجرداً دون إرادة عبادة الله تعالى والثواب، وإما أن يكون مع إرادة الثواب، فإن كان كذلك فلا يخلو إما أن تكون إرادة الثواب أقوى وأغلب أو أضعف أو مساوية لإرادة العبادة فتكون الدرجات الأربع:
(الأولى) وهي أغلظها أن لا يكون الثواب أصلاً، كالذي يصلي بين أظهر الناس، ولو انفرد لكان لا يصلي بل رُبَّما يصلي من غير طهارة مع الناس، فهذا جرَّد قصده إلى الرياء فهو الممقوت عند الله تعالى. وكذلك من يخرج الصدقة خوفاً من مذمةِ الناس وهو لا يقصد الثواب ولو خلا بنفسه لما أداها فهذه الدرجة العليا من الرياء.
(الثانية) أن يكون له قصد الثواب أيضاً ولكن قصداً ضعيفاً، بحيث لو كان في الخلوة لكان لا يفعله، ولا يحمله ذلك القصد على العمل، ولو لم يكن قصد الثواب لكان الرياء يحمله على العمل، فهذا قريب مما قبله وما فيه من شائبة قصد ثواب لا يستقل بحمله على العمل لا ينفي عنه المقت والإِثم.