يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في القُفّ، ودَلّى رجليه في البئر، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكشف عن ساقيه.
قال أبو موسى: ثم رجعت فجلست عند الباب، وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً - يريد أخاه - يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن فقال صلى الله عليه وسلم: "ائذن له وبشره بالجنة".
فجئت فقلت له: أدخل وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فدخل فجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم في القُفّ عن يساره ودَلّى رجليه في البئر وكشف عن ساقه.
ثم رجعت فجلست عند الباب، فقلت: إن يرد الله بفلان - أي: بأخيه - خيراً يأت به فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟، فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته.
فقال: "ائذن له ويشره بالجنة على بلوى تصيبه ".
فقلت له: أدخل وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تصيبك، فدخل فوجد القُفَّ - أي، جانب البئر الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ملىء، فجلس وجاهه - أي: أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشق الآخر- أي الجانب الآخر.
قال سعيد بن المسيب: فأوّلتها قبورهم. اهـ يعني سعيد وغيره- كما في رواية: كنا نتأولها قبورهم.
ففهموا من ذلك ترتيب وفياتهم، وترتيب قبورهم، وأن عثمان رضي الله عنه في الشق المواجه وهو البقيع.
ومن المعلوم أن عثمان رضي الله تعالى عنه اشترى قبره في البقيع وهو حي.
فلنتأمل في اقتداء الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسليمهم له، فلم يقل أحد منهم: يا رسول الله لِمَ جلست ههنا بل اجلس ثَمّة تحت الشجر وظلاله أو نحو ذلك، بل فعلوا مثل ما فعل، لأنهم موقنون أنه رسول الله، ما يفعل ذلك عبثاً ولا عن غفلة، بل عن حكمة، ولحكمة تتجلى فيها أسرار نبوية دالة على أمور غيبية.
فهذه هي المدينة المنورة التي ما ركب فيها الإمام مالك رحمه الله تعالى دابة قط وقد عاش في المدينة المنورة عمره كله وكان يقول كيف أطأ بحافر دابةٍ أرضاً وطأها النبي صلى الله عليه وسلم بقدميه الشريفتين، فلله درّك يا إمام، ولله درّ القائل:
رعى الله أياماً تقضّت بطيبه
وحيا ليالٍ ما عرفت لها قدرا
ليالي وصالٍ لو تباع شريتها بروحي
ولكنها لا تباع ولا تُشرى
سألت إلهي قبل موتي زيارة
إلى الروضة الفيحاء والقبة الخضراء
وأدخل من باب السلام مسلماً على