تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يتركونها عليه؟ فجاءتهم سِنَةٌ من النوم جميعاً (فناموا)، فما استيقظوا إلا وصوت يقول لهم: غسِّلوا رسول الله صلى الله عليه و سلم في ثيابه.

فغسلوه عليه الصلاة و السلام في ثيابه ثم بدأوا بالتكفين بأثواب بيض، فكفَّنوه بثلاثة أثواب ثم بدأوا الصلاة فخرجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركوه ساعة من النهار ثم صلوا على النبي عليه الصلاة و السلام ثم بدأ الناس يدخلون على رسول الله صلى الله عليه و سلم أفواجاً أفواجاً وهم يصلُّون عليه بلا إمام فرسول الله صلى الله عليه و سلم إمام الأئمة.

ثم جاؤوا فحفروا القبر الشريف تحت فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم، فلمّا فرغوا و أنزلوا النبي عليه الصلاة و السلام فيه و بدأوا بِحَثي التراب، وبعد أن خرجوا إذ بفاطمة الزهراء تُقبِل، فلمّا دخلت البيت ورأت القبر قد سُمِد استدارت إلى الصحابة و قالت: كيف طابت أنفسكم أن تَحثوا التراب على أبي!! ثم مالت على تربة أبيها وقالت:

ماذا على من شمَّ تربة أحمدِ ألاَّ يشم مدى الزمان غواليَ

وصُبَّت عليّ مصائبُ لو أنّها صُبَّت على الأيام عدنا لياليَ

فأخذها سيدنا عليّ وأقامها وأدخلها بيتها و هي تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتحت التراب تكون؟!!!

يقول أنس رضي الله عنه: "ما رأيتُ أوضأ ولا أضوأ من يوم أن دخل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم مهاجراً فلمّا دفنّاه ما رأيتُ أظلم من ذاك اليوم".

و يقول الصحابة بعد ذلك، إذا أُصيب أحدنا بمُصاب، كنّا نعزِّيه فنقول يا أخي أُذكُر مُصابك برسول الله صلى الله عليه و سلم، فينسى مصابه.

إنّه لأعظم مصاب و لكن نحن رضينا بقضاء الله و قَدَرِه، إنّ العين لتَدمع و إنّ القلب ليحزن و إنّا على فراقك يا رسول الله لَمَحزونون و لا نقول إلا ما يُرضي ربنا:

(إنّا لله وإنّا إليه راجعون) ثم ذهب بلال إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم أبي بكر، فقال له: إني سمعتُ رسول الله يقول، أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله.

قال له أبو بكر: فما تشاء يا بلال؟ قال بلال: أردتُ أن أُرابط في سبيل اللهتعالى حتى أموت. فقال أبو بكر: و من يؤذِّن لنا؟ قال بلال و عيناه تفيضان من الدمع: إنّي لا أُؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم. قال أبو بكر: بل ابقَ و أذِّن لنا يا بلال.

قال بلال: إن كنتَ أعتقتني لأكون لكَ فليكن ما تريد و إن كنتَ أعتقتني لله فدعني و ما أعتقتني له. فقال أبو بكر: بل أعتقتك لله!.

فَنَذَر بلال بقية حياته و عمره للمرابطة في ثغور الإسلام مصمِّماً على أن يلقى الله تعالى و رسوله و هو على خير عمل يُحِبَّانه. ولم يعد يصدح بالآذان صوته الشَّجي الحنون المهيب، ذلك أنه لم يكن ينطق في أذانه " أشهد أنَّ محمداً رسول الله" حتى تجيش به الذكريات فيختفي صوته تحت وقع أساه و تصيح بالكلمات دموعه و عَبَراته. و كان آخر أذان له أيام أن زار الشام أمير المؤمنين عمر و توسَّل المسلمون إليه أن يحمل بلالاً على أن يؤذِّن لهم. و صعد بلال و أذَّن فبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٩٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٩٦٢