الحكم شئ، وطرق حفظ الحقوق شئ آخر، وليس بينهما تلازم، فتُحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم مما يعلم صاحب الحق أنه يحفظ به حقه، ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه، ولا خطر على باله .. " (10).
فطرق الإشهاد، فى آية سورة البقرة التى تجعل شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل واحد هى نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّين ذى الطبيعة الخاصة - .. وليست التشريع الموجه إلى الحاكم القاضى والجامع لطرق الشهادات والبينات .. وهى أيضاً خاصة بدَيْن له مواصفاته وملابساته، وليست التشريع العام فى البينات التى تُظهر العدل فيحكم به القضاة ..
* وبعد هذا الضبط والتمييز والتحديد .. أخذ ابن تيمية يعدد حالات البينات والشهادات التى يجوز للقاضى الحاكم الحكم بناء عليها .. فقال: " إنه يجوز للحاكم ? [القاضى] ? الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه فى غير الحدود، ولم يوجب الله على الحاكم ألا يحكم إلا بشاهدين أصلاً، وإنما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، وهذا لا يدل علىن الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك، بل قد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالشاهد واليمين، وبالشاهد فقط، وليس ذلك مخالفاً لكتاب الله عند من فهمه، ولا بين حكم الله وحكم رسوله خلاف .. وقد قبل النبى صلى الله عليه وسلم شهادة الأعرابى وحده على رؤية هلال رمضان، وتسمية بعض الفقهاء ذلك إخباراً، لا شهادة، أمر لفظى لا يقدح فى الاستدلال، ولفظ الحديث يردّ قوله، وأجاز صلى الله عليه وسلم شهادة الشاهد الواحد فى قضية السَّلَب (11)، ولم يطالب القاتل بشاهد آخر، واستحلفه، وهذه القصة [وروايتها فى الصحيحين] صريحة فى ذلك .. وقد صرح الأصحاب: أنه تُقبل شهادة الرجل الواحد من غير يمين عند الحاجة، وهو الذى نقله الخِرَقى [334 هجرية 945م] فى مختصره، فقال: وتِقبل شهادة الطبيب العدل فى الموضحة (12) إذا لم يقدر على طبيبين، وكذلك البيطار فى داء الدابة .. " (13).
* وكما تجوز شهادة الرجل الواحد فى غير الحدود .. وكما تجوز شهادة الرجال وحدهم في الحدود، تجوز عند البعض شهادة النساء وحدهن فى الحدود .. وعن ذلك يقول ابن تيمية، فيما نقله ابن القيم: " وقد قبل النبى صلى الله عليه وسلم شهادة المرأة الواحدة فى الرضاع، وقد شهدت على فعل نفسها، ففى الصحيحين عن عقبة ابن الحارث: " أنه تزوج أم يحيى بنت أبى إهاب، فجاءت أَمَةٌ سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. فذكرتُ ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم، فأعرض عنى، قال: فتنحيتُ فذكرتُ ذلك له، قال: فكيف؟ وقد زعمتْ أنْ قد أرضعتكما! ".
وقد نص أحمد على ذلك فى رواية بكر بن محمد عن أبيه، قال: فى المرأة تشهد على مالا يحضره الرجال من إثبات استهلال الصبى (14)، وفى الحمّام يدخله النساء، فتكون بينهن جراحات.
وقال إسحاق بن منصور: قلتُ لأحمد فى شهادة الاستدلال: " تجوز شهادة امرأة واحدة فى الحيض والعدة والسقط والحمّام، وكل مالا يطلع عليه إلا النساء ".
فقال: "تجوز شهادة امرأة إذا كانت ثقة، ويجوز القضاء بشهادة النساء منفردات فى غير الحدود والقصاص عند جماعة من الخَلَف والسلف ". وعن عطاء [27 - 114