الشهادة " التى يعتمد عليها القاضى فى حكمه بين المتنازعين .. فهى - الآية - موجهة لصاحب الحق الدَّيْن وليس إلى القاضى الحاكم فى النزاع .. بل إن هذه الآية لا تتوجه إلى كل صاحب حق دَيْن ولا تشترط ما اشترطت من مستويات الإشهاد وعدد الشهود فى كل حالات الدَّيْن .. وإنما توجهت بالنصح والإرشاد فقط النصح والإرشاد إلى دائن خاص، وفى حالات خاصة من الديون، لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية .. فهو دين إلى أجل مسمى .. ولابد من كتابته .. ولابد من عدالة الكاتب. ويحرم امتناع الكاتب عن الكتابة .. ولابد من إملاء الذى عليه الحق .. وإن لم يستطع فليملل وليه بالعدل .. والإشهاد لا بد أن يكون من رجلين من المؤمنين .. أو رجل وامرأتين من المؤمنين .. وأن يكون الشهود ممن ترضى عنهم الجماعة .. ولا يصح امتناع الشهود عن الشهادة .. وليست هذه الشروط بمطلوبة فى التجارة الحاضرة .. ولا فى المبايعات ..
ثم إن الآية ترى فى هذا المستوى من الإشهاد الوضع الأقسط والأقوم .. وذلك لا ينفى المستوى الأدنى من القسط ..
ولقد فقه هذه الحقيقة حقيقة أن هذه الآية إنما تتحدث عن " الإشهاد" فى دَيْن خاص، وليس عن الشهادة .. وإنها نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّيْن ذى المواصفات والملابسات الخاصة وليست تشريعاً موجهاً إلى القاضى الحاكم فى المنازعات .. فقه ذلك العلماء المجتهدون ..
ومن هؤلاء العلماء الفقهاء الذين فقهوا هذه الحقيقة، وفصّلوا القول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية [661728 هجرية /1263 1328] وتلميذه العلامة ابن القيم [691751 هجرية / 1292 1350م] من القدماء والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده [12651323 هجرية] والإمام الشيخ محمود شلتوت [13101383 هجرية /18931963م] من المحدثين والمعاصرين فقال ابن تيمية فيما يرويه عنه ويؤكد عليه ابن القيم:
قال عن " البينة " التى يحكم القاضى بناء عليها .. والتى وضع قاعدتها الشرعية والفقهية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه " رواه البخارى والترمذى وابن ماجه:
" إن البينة فى الشرع، اسم لما يبيّن الحق ويظهره، وهى تارة تكون أربعة شهود، وتارة ثلاثة، بالنص فى بينة المفلس، وتارة شاهدين، وشاهد واحد، وامرأة واحدة، وتكون نُكولاً (2)، ويمينًا، أو خمسين يميناً أو أربعة أيمان، وتكون شاهد الحال.
فقوله صلى الله عليه وسلم: " البينة على المدعى "، أى عليه أن يظهر ما يبيّن صحة دعواه، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حُكِم له .. " (3) فكما تقوم البينة بشهادة الرجل الواحد أو أكثر، تقوم بشهادة المرأة الواحدة، أو أكثر، وفق معيار البينة التى يطمئن إليها ضمير الحاكم - القاضى - ..
ولقد فصّل ابن تيمية القول فى التمييز بين طرق حفظ الحقوق، التى أرشدت إليها ونصحت بها آية الإشهاد - الآية 282 من سورة البقرة وهى الموجهة إلى صاحب " الحق الدَّين " وبين طرق البينة، التى يحكم الحاكم القاضى بناء عليها .. وأورد ابن