تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7 - اختلاف بيئات الفقهاء وعصورهم، فقد كان لذلك أثر كبير في اختلافهم في كثير من الأحكام والفروع، حتى إن الفقيه الواحد كان يرجع عن كثير من أقواله إلى أقوال أخرى إذا تعرض لبيئة جديدة تخالف البيئة التي كان فيها، ومن ذلك ما حدث للإمام الشافعي بعد مغادرته بغداد إلى مصر، فقد عدل عن كثير من آراءه الماضية التي استقر عليها مذهبه في بغداد، وقد كثر هذا العدول حتى عد ذلك مذهباً جديداً له، ومنها عدول الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه عن كثير من الآراء الفقهية نتيجة احتكاكه بالناس ومعرفته بأحوالهم، ومنها مخالفة الصاحبين أبي يوسف ومحمد لأبي حنيفة في كثير من المسائل الفقهية مخالفة قائمة على أساس تغير الزمان، حتى إنهما نصا في كثير منها على أن الإمام لو كان معهما في عصرهما لرجع عن قوله إلى قولهما، من ذلك مثلاً خيار الرؤية، فقد ذهب الإمام إلى أن رؤية المشتري لظاهر غرف الدار كاف لإسقاط خيار الرؤية الثابت له فيها، وذهب الصاحبان إلى أن خيار الرؤية لا يسقط بتلك الرؤية الظاهرة، ومناط الاختلاف بينهم أن الدور كانت في عهد الإمام تسير على نسق واحد تقريباً، فكانت رؤية الغرف من الظاهر دالة غالباً على معرفة ما في داخلها، ولكن الأمر تغير في عهد الصاحبين، وبدأ الناس يتفنون في التنسيق فكان ذلك مناطا لسقوط خيار الرؤية، فلما كان العلم بما في داخل الدار متوفراً بالرؤية الظاهرية في زمن أبي حنيفة سقط بها خيار الرؤية عنده، ولما لم يعد كذلك في زمن الصاحبين أفتيا بعدم سقوطه بها.

ومن ذلك أيضاً اختلاف الفقهاء في الشروط المعتبرة في الكفاءة في الزواج، فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن الكفاءة معتبرة في خمس صفات هي: الحرية، والنسب، والمال، والدين، وإسلام الآباء، وذهب محمد إلى أن الكفاءة في الدين والتقوى ليست شرطاً، وذهب أبو يوسف إلى أن الكفاءة معتبرة في كل تلك الصفات ويضاف إليها الحرفة.

وذهب الشافعية إلى أن الكفاءة معتبرة في خمس صفات، هي: السلامة من العيوب، والحرية، والنسب، والعفة، وهي: التدين والصلاح والبعد عما لا يحل، والحرفة.

وذهب الحنبلية إلى أن الصفات المعتبرة في الكفاءة خمس، هي: الدين، والنسب، والحرية، والصناعة، واليسار، وفي رواية اثنتان فقط هما: الدين والنسب لا غير،

أما المالكية، فلم يعتبروا من الكفاءة إلا الدين، والسلامة من العيوب، والحرية في قول.

وهذا الاختلاف راجع إلى اختلاف العصور والبيئات التي عاشوا فيها، وهو علامة صحِّيَّة على مرونة نصوص التشريع الإسلامي، وأخذها بمبدأ قابلية تغير الأحكام بتغير الأزمان.

ولكن ليس معنى هذا التحلل من كل النصوص الشرعية وفقاً لهذه القاعدة، فان لهذه القاعدة ضوابط كثيرة توفر لها الحماية من النزول إلى مستوى العبث والتلاعب بالأحكام، وقد نص الفقهاء على هذه القواعد بدقة بالغة، وأحاطوها بسياج منيع من القيود والشروط.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٦٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٦٣٧