أسباب اختلاف الفقهاء
بعد هذه المقدمة الموجزة لهذا العلم أرى أنه من المفيد جدا أن أتعرض لأسباب الاختلاف بين الفقهاء، فإن من الجاهلين والمغرضين من يشككون في صلاحية الشريعة الإسلامية للبقاء والخلود، ويتهمونها بالتناقض وعدم الاتساق، ويستدلون على ذلك بالخلافات الفقهية، ويعتبرون هذه الخلافات مظهرا من مظاهر الاختلال، ونحن من أجل أن نرد على تلك الاتهامات ونثبت أن هذه الاختلافات بين الفقهاء في فروع الشريعة إنما هي ظاهرة صحية، وكنز تشريعي ثمين نعتز به ونفرح له، وهي ليست بحال من مظاهر التناقض. من أجل ذلك سوف نتعرض لأسباب الاختلاف بين الفقهاء، ونتبع ذلك بالرد على من اتهم هذه الشريعة بالتناقض والاختلال لذلك.
تمهيد:
لا بد من الإشارة قبل البدء في بيان أسباب اختلاف الفقهاء إلى أن الأحكام الشرعية إنما وردتنا عن الشارع الحكيم بطرق ووسائل معينة، فإرادة الشارع هي المصدر الأصلي للأحكام، ولكننا لا نستطيع الوقوف على إرادة الشارع الحكيم بشكل مباشر، لأنه أمر مستحيل، ولذلك كان لا بد من التعرف عليها من طرق متعددة، وهذه الطرق هي ما يسمى بالمصادر التشريعية.
وهذه المصادر منها ما هو قطعي الدلالة على إرادة الشارع، ومنها ما هو ظني الدلالة، بمعنى أن دلالته على إرادة الشارع منه محتملة للعكس، ولو كان هذا الاحتمال مغلوبا، ثم إن ثبوت هذه الأدلة وصحة نقلها إلى الشارع الحكيم قد يكون مقطوعا به وقد يكون مظنونا أيضا، فالقرآن الكريم قطعي الثبوت لا شك في ذلك في جملته وتفصيله، لأنه ورد إلينا بطريق التواتر، وكذلك السنة الشريفة النبوية، فهي في جملتها قطعية الثبوت، ولكنها في مفرداتها ليست كذلك كلها، فإن منها ما هو متواتر قطعي الثبوت، ومنها ما هو خبر آحاد، وهو لا يكون مقطوعا به بحال، بل هو ظني الثبوت.
فالحكم المقطوع به ثبوتا ودلالة لا محل للنظر فيه، وبالتالي لا مكان للاختلاف فيه، أما الحكم المظنون إن ثبوتا أو دلالة، فهو ميدان للنظر والاجتهاد والتقدير، ولهذا فإننا نرى أن الأحكام التي تثبت أدلتها بالقطع لم يختلف فيها أحد من الفقهاء، ومن ذلك أكثر الفرائض والواجبات وكل الأحكام المتعلقة بالله سبحانه وتعالى، أما الأحكام التي ثبتت بأدلة مظنونة، فهي التي كانت مثار خلاف وتقدير لدى الفقهاء، ومعلوم أن أكثر أحكام الشريعة إنما كان ظني الثبوت أو الدلالة، وذلك لحكمة كبيرة قضت بها إرادة الشارع، وهي التوسعة على الناس ورفع الحرج عنهم، كما سوف نوضحه في محله.
والآن سوف نستعرض أسباب الاختلاف بين الفقهاء، ثم نعلق عليها بما يرد شبهات الخصوم.
أسباب الاختلاف بين الفقهاء:
أهم أسباب الاختلاف بين الفقهاء يمكن إدراجها فيما يلي من النقاط: