فكذلك هذا الدين. .
إن نظامه يتناول الحياة كلها ; ويتولى شؤون البشرية كبيرها وصغيرها ; وينظم حياة الإنسان لا في هذه الحياة الدنيا وحدها , ولكن كذلك في الدار الآخرة ; ولا في عالم الشهادة وحده ولكن كذلك في عالم الغيب المكنون عنها ; ولا في المعاملات الظاهرة المادية , ولكن في أعماق الضمير ودنيا السرائر والنوايا. .
فهو مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة مترامية. .
ولا بد له إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة والعمق والانتشار أيضا. .
هذا جانب من سر هذا الدين وطبيعته ; يحدد منهجه في بناء نفسه وفي امتداده ; ويجعل بناء العقيدة وتمكينها , وشمول هذه العقيدة واستغراقها لشعاب النفس كلها. . ضرورة من ضرورات النشأة الصحيحة , وضمانا من ضمانات الاحتمال والتناسق بين الظاهر من الشجرة في الهواء , والضارب من جذورها في الأعماق. .
ومتى استقرت عقيدة:"لا إله إلا الله" في أعماقها الغائرة البعيدة , استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه:"لا إله إلا الله" ; وتعين أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة. .
واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته , وقبل أن تعرض عليها تشريعاته. فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان. .
وبمثل هذا الاستسلام تلقت النفوس تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول , لا تعترض على شيء منه فور صدوره إليها ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له. وهكذا أبطلت الخمر , وأبطل الربا , وأبطل الميسر , وأبطلت العادات الجاهلية كلها , أبطلت بآيات من القرآن , أو كلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها ونظمها وأوضاعها , وجندها وسلطانها , ودعايتها وإعلامها. . فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات ;بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات!
وجانب آخر من طبيعة هذا الدين يتجلى في هذا المنهج القويم. .
إن هذا الدين منهج عملي حركي جاد. . جاء ليحكم الحياة في واقعها ; ويواجه هذا الواقع ليقضي فيه بأمره. . يقره أو يعدله أو يغيره من أساسه. .
ومن ثم فهو لا يشرع إلا لحالات واقعة فعلا , في مجتمع يعترف ابتداء بحاكمية الله وحده.
إنه ليس نظرية تتعامل مع الفروض!
إنه منهج يتعامل مع الواقع! فلا بد أولا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة أن لا إله إلا الله , وأن الحاكمية ليست إلا لله ; ويرفض أن يقر بالحاكمية لأحد من دون الله ; ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة. .
وحين يقوم هذا المجتمع فعلا , تكون له حياة واقعية , تحتاج إلى تنظيم وإلى تشريع. .
وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وفي سن الشرائع. .
لقوم مستسلمين أصلا للنظم والشرائع , رافضين ابتداء لغيرها من النظم والشرائع. .