تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عبادته ومتى سيستيقظ من الليل وأيهما أكثر تعبداً والدها أم الشافعي. فلاحظت أنَّ غرفة الشافعي بقيت مظلمة إلى قُبَيل أذان الفجر بينما الإمام أحمد كان يقوم أكثر الليل. وفي الصباح قالت لأبيها: أهذا هو الشافعي الذي حدثتني عنه؟ فلم يجبها الإمام أحمد ودخل على الشافعي فقال له: كيف كانت ليلتك يا أبا عبد الله؟ فقال له: لقد فكرتُ الليلة في بضع آيات من كتاب الله تعالى و روايةٍ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فاستخرجتُ منها أحكاماً كثيرة - و في رواية فوق الستين حكماً - فقال الإمام أحمد لابنته: لضجعة واحدة من الإمام الشافعي خير من صلاة أبيكِ الليل كله!.

هذا يصور لنا كيف كان أدب و تعظيم أئمة المسلمين بعضهم لبعض ونظر كل واحد منهم إلى الآخر على أنه إمام و حجة. أما اليوم فللأسف كثير ممن يدَّعون حب إمام من الأئمة يسفِّهون أو ينتقدون إماماً آخر. وقد أنبأنا النبي صلى الله عليه و سلم عن هذا الداء الخطير وأنه من أشراط الساعة أن يلعن آخر هذه الأمة أولها.

أسفاره وزيارته مصر: لقد طاف الشافعي في آفاق العالم الإسلامي، ولم يترك بقعة إلا زارها من الحجاز حتى أقصى الشرق والشمال ولكنه لم يأتِ مصر بعد. ومصر مهد عريق في الحضارة والعلم وهي في الوقت عينه مجتمع علماء فحول وفضلاً عن ذلك هي مدرسة إمامه وشيخه الليث بن سعد. وبينما إمامنا العظيم في تطلعه هذا إذ جاءته دعوة كريمة لزيارة مصر فوافقت هوى قلبه ونفسه وكانت الدعوة من أحد تلامذته ومُحبّيه، الفقيه العالم، والتاجر الواسع الثراء " ابن عبد الحكم ". فشد الشافعي رحاله على الفور وكان وداع الناس والعلماء خاصة له في بغداد مؤثراً جداً. كانوا يبكون ويحاولون إقناعه بالبقاء خصوصاً الإمام أحمد.

وامتدت إقامة الشافعي في مصر خمس سنوات حيث استُقبِلَ استقبالاً حافلاً من مختلف الطبقات إذ سبقه صيته إلى هناك وحاول الكثيرون أن يستفيدوا من ضيافتهم له فعرضوا عليه الإقامة عندهم من الوالي حتى أقل الناس شأناً و لكن الشافعي آثر التشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة المنورة فنزل عند أقارب أمه.

وكان أول ما فعله الشافعي أن قام بزيارة قبر الإمام الليث بن سعد ووقف عند القبر خاشعاً يردد و يقول: لله درُّكَ يا إمام ... لقد حزتَ أربع خصال لم يكملن لعالِم: العلم والعمل والزهد و الكرم.

لقاؤه السيدة نفيسة وأخذه عنها العلم: كانت السيدة نفيسة رضي الله عنها حفيدة الحسن بن علي والحسين بن علي رضي الله عنهم موئل علم ودين و تقوى، تقيم في مصر، وكان الشافعي يعرف مقدارها ومكانتها. فاستأذن في زيارتها فأذنت له ورحبت به وأعجبها عقله وورعه وسمع منها ما لم يكن قد وصل إليه من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم.

تدريسه و تأليفه لكتابه " الأم ": كان الشافعي جامعة علم في شتى الفنون، فكان يجلس في جامع تاج الجوامع في مصر بعد صلاة الفجر ويبدأ بالقرآن وعلومه فيأتيه علماء التفسير وعلوم القرآن الفطاحل ليتعلموا منه، فإذا انتهى تحوَّل إلى الحديث فيأتيه علماء الحديث ليتعلموا منه وإذا فرغ انتقل إلى علوم اللغة وآدابها فيأتيه علماؤها يدرسون عنه و هكذا.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٥٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٥٨٣