مكة وهو يحمل ثروة هائلة من شعر وأدب العرب حتى قال الأصمعي - راوية العرب المشهور - " صحَّحتُ أشعار الهُذَليين على فتى من قريش يُقال له محمد ابن إدريس ". وأصبح الشافعي حجة عصره في اللغة. وعاد إلى مكة ليتعلَّم عند علمائها من أتباع عبد الله بن عباس وجعفر الصادق.
وكان الإمام سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا الغلام.
وكان الشافعي يوماً يحضر مجلس ابن عيينة فحدَّث ابن عيينة بحديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً، فأتته صفية، فلما ذهبت ترجع مشى النبي صلى الله عليه وسلم معها فأبصره رجل من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها صفية، إنَّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ". فقال ابن عيينة: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله؟ فقال الشافعي: لو كان القوم اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا بتهمتهم إيّاه كفاراً و لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أدَّب مَن بعده فقال إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتى لا يُظَنَّ بكم، لا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم - وهو أمين الله في وحيه - يُتَّهم. فقال ابن عيينة: جزاك الله خيراً يا أبا عبد الله ما يجيئنا منك إلا ما نحبه. ولا عجب في ذلك فقد كان يعمل و يهتدي وفق توجيهات أمّه البارّة التي كانت عالمة، حافظة وفقيهة. فقد استُدعِيَت مرة للشهادة أمام قاضي مكة و معها امرأة أخرى وأراد القاضي أن يفرِّق بينها وبين المرأة الأخرى في الشهادة ليسمع كلاّ منهما على حدة، فاعترضت وطلبت إلى القاضي أن تكون شهادتها وشهادة المرأة الأخرى بحضور كليهما واستدلَّت على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: 282].
وأجازه شيخ الحرم الإمام مسلم بن خالد الزنجي وكان أول من أجازه فقال له وهو غلام: أنت يا أبا عبد الله والله لقد آن لك أن تفتي. ولكن الشافعي مع هذا رفض أن يفتي وكيف يفعل ذلك وهو يعتبر أنَّ سلّم العلم ما زال طويلاً، وكيف يفعل ذلك والإمام مالك في المدينة وقد سمع من حديثه عندما جاء حاجّاً إلى بيت الله الحرام؟!!!.
وأدرك الشافعي ما عند مالك من علم واسع وأحب لقاءه ولكنه تهيَّبَ أن يرحل إليه قبل أن يأخذ من علومه شيئاً، فأقبل على الموطأ فحفظه غيباً ولم يكن يملك ثمنه فاستعاره وحفظه. وخشيَ أن لا يستقبله الإمام مالك لحداثة سنِّه فلقد اشتُهِرَ عن مالك أنه رغم سماحته و طيب خُلُقه كان صارماً في العمل ولا يبيح وقته للناس ولا يستقبل من يطرق بابه خلال راحته في داره. ولكن الشافعي الشاب المتوقد المتوهج المتعطش إلى غَرف العلم لا يشبع نهمه الجلوس في حلقات درس مالك في المسجد ولكنه يريد أن يتفرَّد بلقائه. فتوسطت له أمّه عند والي مكة، فأرسل معه رسالة إلى والي المدينة. فلما وصلت الرسالة إلى والي المدينة وقرأها قال: يا فتى إنَّ مشيي من جوف مكة إلى جوف المدينة حافياً راحلاً أهوَن عليّ من المشي إلى باب مالك، فلستُ أرى الذل حتى أقف على بابه!.
فقال الشافعي: أصلح الله الأمير، إن رأى الأمير يوجه إليه ليحضر. فقال الأمير: هيهات، ليت أني لو ركبت ُ أنا ومن معي وأصابنا من تراب العتيق (حي يسكنه