والفهم والحفظ. ومنذ ذلك اليوم لازمته عادة الاستحمام والتطيب كلما أتى مجلس العلم سواء كان متعلماً أو معلماً فيكون في أحسن سمت وأكمل مظهر وأرقى صورة، و دخل مالك بوابة العلم الكبرى ولم يغادرها حتى توفاه الله تعالى. و كان يجد نفسه بحاجة إلى مزيد علم، فقد كان يهمه أحياناً أمر علمي أو مسألة فبعد أن تنفضّ الحلقات ويأوي الشيوخ إلى دورهم فلا يجد مالك صبراً إلى الغد كي يسأل و يفهم لذا راح يسعى إلى الشيوخ في بيوتهم و مساكنهم وقد ينتظر أحدهم في الطريق الساعات الطوال ما يجد فيها ظل شجرة تقيه حرارة الشمس حتى إذا ما رآه يدخل داره ينتظر لحظات ثم يقرع الباب وكان في بعض الأحيان يحمل معه تمراً يهديه لجارية الفقيه لتمكِّنه من الدخول على العالم.
وتعلق بالعلم تعلقاَ جاداَ فلزم عبد الرحمن بن هرمز و هو عالم من أجلِّ علماء المدينة سبع سنوات لم يتخلَّف فيها إلى غيره وكان يأخذ عنه المسائل الإجتهادية وقضايا الفقه وكان بن هرمز مشهوراَ بقوة عارضته ودلائل الحق ويقول الإمام مالك عن نفسه أنه اتخذ لنفسه ما يشبه الطرّاحة الصغيرة، كان يأخذها معه فيجلس على صخرة أمام دار ابن هرمز و لم يكن يطرق بابه خوفاَ من أن يزعجه منتظراَ خروج الإمام يعني ابن هرمز إلى الصلاة، فإذا خرج اتبعه وذهب معه إلى المسجد.
ثم بدأ يأخذ عن نافع مولى (أي خادم) عبد الله ابن عمر وكان من أحفظ علماء الحديث، كان حافظاَ وكان فقيهاَ، أخذ الفقه والحديث عن ابن عمر.
ثم أخذ مالك أيضاَ عن الزهري وكان يلازمه كما لازم ابن هرمز وكان يسير معه من بيته إلى المسجد. يقول الإمام مالك عن نفسه: كنت أخرج من وقت الظهيرة وليس للأشياء ظل أتيمم درساَ عند الزهري.
أخذ مالك الحديث عن الزهري مع قلة من إخوانه ويقال إن الزهري حدَّثه في يوم من الأيام نيفاَ وأربعين حديثاَ له ولبعض زملائه، فلما عادوا في اليوم التالي قال الزهري أستحضرتم كتاباَ لتسجلوا ما أُملي عليكم خيفة أن تنسوها؟
فقال قائل منهم ينبؤك عنها هذا الشاب الأشقر (أي الإمام مالك)، فسأله الزهري فتلى عليه منها أربعين حديثاَ مع أسانيدها فقال الزهري: والله ظننتُ أنَّ أحداً يأتيها غيري (أي لا يحفظها).
وكان الإمام مالك إذا جلس لتلقي الحديث يسجل الحديث وهو جالس ولما سُئِلَ هل أخذتَ من عمرو بن دينار قال لم آخذ وذلك لأني ذهبتُ إلى مجلسه فرأيته يُحَدِّث والناس حوله واقفين يكتبون عنه فلم أحب أن أكتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قائم لأنه كان يرى في هذا منقصة لحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم.
و تلقى الإمام مالك الفقه عن شيخه الكبير ربيعه الذي كان يُلَقَّب " بربيعة الرأي " مع أنه كان من علماء أهل المدينة.
تفوقه العلمي وجلوسه للفتيا: تفوَّقت مكانة مالك العلمية على كل أرباب الحلقات في المسجد النبوي وعرف له الجميع هذه المكانة سواء كانوا من شيوخه السابقين أو من العلماء الذين عاصروه. جلس الإمام مالك للفتيا وكان عمره 25 سنة تقريباَ على أصحّ الروايات ويقول عن نفسه: لم أجلس للفتيا حتى أمرني بالفتيا قرابة سبعين