تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

متناهي! لماذا؟ لأنَّ أبا بكر كان يرى أنه قد تعرض له الفتوى و المشكلات و هو بحاجة إلى أمثال سيدنا عمر رضي الله عنه ليستشيره و ليأخذ رأيه. و طبعاً أجابه أسامة لذلك و بقي عمر عند أبي بكر الذي لا يتأخر في استشارة من حوله من الصحابة كعثمان و عليّ و غيرهم رضي الله عنهم أجمعين. و ما أكثر ما كان يقول عمر: " لولا علي لهلك عمر ". و كذلك علي كان إذا عُرِضَ عليه رأي لم يبُتّ بهذا الرأي حتى يستشير كبار الصحابة و في مقدمة هؤلاء أبو بكر و عمر.

فلنلاحظ صورة الأخوَّة الواقعية في حياة الصحابة و آل البيت و محبتهم لبعضهم البعض، لا شك أنَّ جيلاً ربّاه رسول الله صلى الله عليه و سلم لا بد أن يكون هذا حاله. مستحيل أن يكون النبي عليه الصلاة و السلام أعظم مُرَبّي أوجده الله تعالى لينجد به الإنسانية ثم يخفق في تربية أصحابه. فإن تصوّرنا أنه بعد وفاته صلى الله عليه و سلم كان أصحابه أعداء لآل البيت و العكس لكان ذلك علامة على أنه أخفق في تربية هذا الجيل و هذا يُعَدّ عيباً شديداً في رسول الله صلى الله عليه و سلم -وحاشاه من ذلك- الذي لم يستطع أن يربي جيلاً واحداً فهو أعجز من أن يربّي أمّة!!! و الرسول صلوات الله و سلامه عليه منزّه عن مثل هذا.

سُئِلَ عليّ لماذا كثُرَت الفتن في عصره و لم تكثر في عصر أبي بكر و عمر فقال رضي الله عنه: " لمّا كانوا هم الخلفاء كنتُ أنا الرعية فأطعنا و لمّا صرتُ أنا الخليفة كنتم أنتم الرعية فعصيتم ".

إذاً كان الصحابة يتواصون بالتدقيق في مسألة الاجتهاد بعد الشروط التي ذكرناها كلها، كما كانوا يتواصون فيما بينهم بالتريّث و الفهم الشديد وعدم العجلة في الإفتاء، فها هو عمر لمّا أرسل كتابه لأبي موسى قال له بعد أن أمره أن يتتبع نصوص القرآن و السنّة فإن لم يجد، قال له: " الفهم، الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله و سنّة رسول الله صلى الله عليه و سلم "، أي لا تستعجل، تريَّث وفكِّر وتأمَّل.

ولا بد من الإشارة إلى أنَّ سيدنا عمر رضي الله عنه هو أول من فصل سلطة القضاء عن رئاسة الدولة، ففي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر كان كل منهما رئيس الدولة و القاضي في آن واحد. وفي عصر عمر، عندما اتسعت الفتوحات ولم يعد يجد الوقت كافياً لأن يجلس مجلس القضاء و مجلس إدارة أمور المسلمين، عندئذ فصل سلطة القضاء عن سلطة رئاسة الدولة وعيَّن أول قاضٍ أثناء خلافته و هو جريج رضي الله عنه.

وكان الصحابة لا يجيبون على سؤال فرض لم يقع بعد، فإذا سألهم سائل عن مسألة ما، كان أحدهم يجيب: " هل وقعت هذه المشكلة التي تسأل عنها "؟ فإن قال لا ما وقعت بعد ولكننا نحب أن نعلم إن وقعت هذه المشكلة ماذا نصنع! كان الصحابي يجيب: " إذا وقعت فاسألوا عنها أمَّا الآن فقد كفانا الله مهمة البحث في أمر لم يقع ". فهم لا يريدون توسيع نطاق الإجتهاد إلى أكثر من الحد الضروري، وهذه سياسة كانت متَّبَعة من قِبَل جميع علماء ذاك العصر.

سؤال: هل وقع الخلاف في الاجتهاد في أحكام الشريعة الإسلامية ومتى و قع و لماذا؟

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٥٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٥٣٧