عالية رفيعة، هي أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه تسمى "التسنيم"، ولهذا قال بعده ﴿عيناً يشربُ بها المقربون﴾ أي هي عينٌ في الجنة يشرب منها المقرّبون وحدهم، وتمزج لسائر أهل الجنة قال ابن جزي: تسنيم اسمٌ لِعَينٍ في الجنة يشرب منها المقربون صرفاً، ويمزج منه الرحيق الذي يشرب منه الأبرار، فدل ذلك على أن درجة المقربين فوق درجة الأبرار.
معاملة الكفار في الآخرة بمثل معاملتهم للمؤمنين في الدنيا
﴿إِن الذينَ أجرموا كانوا من الذين آمَنوا يضحكون (29) وإِذا مروا بِهم يتغامزُون (30) وإِذا انقلبوا إِلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإِذا رأوهم قالوا إِنَّ هؤلاء لضالُّون (32) وما أُرسلوا عليهم حافظين (33) فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) على الأرائك ينظرون (35) هل ثُوّب الكفَّار ما كانوا يفعلون (36)﴾
سبب النزول:
نزول الآية (29):
ذكر العلماء في سبب النزول وجهين:
الأول: أن المراد من قوله تعالى: ﴿إن الذين أجرموا﴾ أكابر المشركين كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السَّهْمي، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ويستهزئون بهم.
الثاني: جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين، فسخر منهم المنافقون، وضحكوا، وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم، فقالوا: رأينا اليوم الأصلع، فضحكوا منه، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل عليّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما ذكر تعالى نعيم الأبرار، أعقبه بذكر مآل الفجار، تسليةً للمؤمنين وتقوية لقلوبهم فقال ﴿إِن الذينَ أجرموا كانوا من الذين آمَنوا يضحكون﴾ أي إن المجرمين الذين من طبيعتهم الإِجرام وارتكاب الآثام، كانوا في الدنيا يضحكون من المؤمنين استهزاءً بهم قال في التسهيل: نزلت هذه الآية في صناديد قريش كأبي جهل وغيره، مرَّ بهم علي بن أبي طالب وجماعة من المؤمنين، فضحكوا منهم واستخفوا بهم ﴿وإِذا مروا بِهم يتغامزُون﴾ أي وإِذا مرَّ هؤلاء المؤمنين، غمز بعضهم بعضاً بأعينهم سخرية واستهزاءً بهم قال المفسرون: كان المشركون إِذا مرَّ بهم أصحاب رسول الله، تغامزوا بأعينهم احتقاراً لهم وازدراءً يقولون: جاءكم ملوك الدنيا، يسخرون منهم لإِيمانهم واستمساكهم بالدين ﴿وإِذا انقلبوا إِلى أهلهم انقلبوا فكهين﴾ أي وإِذا انصرف المشركون ورجعوا إِلى منازلهم وأهليهم، رجعوا متلذذين يتفكهون بذكر المؤمنين والاستخفاف بهم قال أبو حيّان: أي رجعوا متلذذين بذكرهم وبالضحك منهم استخفافاً بأهل الإِيمان ﴿وإِذا رأوهم قالوا إِنَّ هؤلاء لضالُّون﴾ أي وإِذا رأى الكفار المؤمنين قالوا: إِن هؤلاء لضالون لإِيمانهم بمحمد، وتركهم شهوات الحياة قال تعالى رداً عليهم ﴿وما أُرسلوا عليهم حافظين﴾ أي وما أُرسل الكفار حافظين على المؤمنين، يحفظون أعمالهم ويشهدون برشدهم أو ضلالهم، وفيه تهكم وسخرية بالكفار كأنه يقول: أنا ما أرسلتهم رقباء، ولا وكلتهم بحفظ أعمال عبادي المؤمنين، حتى يرشدوهم إِلى مصالحهم، فلم يشغلون أنفسهم فيما لا يعنيهم؟ {فاليوم الذين آمنوا من الكفار