﴿ذَرْني .. ﴾ أخرج الحاكم وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبن عباس: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوكه، فإنك أتيت محمداً، لتتعرض لما قِبَله، قال: لقد علمت قريش أني من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، فقال: وماذا أقول؟ فوالله، ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا أعلم برَجَزه ولا بقصيده مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطِلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمُغْدِق، وإنه يعلو وما يُعْلَى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه، فقال: ﴿هذا سحر يؤثر﴾ يأثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذرني ومن خلقت وحيداً﴾.
نزلت الآية (30):
﴿عليها تسعة عشر﴾: أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث وابن مردويه عن البراء أن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم، فجاء، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل عليه ساعتئذ: ﴿عليها تسعة عشر﴾.
ثم أخبر عن قصة ذلك الشقي الكافر "الوليد بن المغيرة" وقوله التشنيع في القرآن فقال ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أي دعني يا محمد وهذا الشقي، الذي خلقته في بطن أُمه وحيداً فريداً، لا مال له ولا ولد، ولا حول له ولا مدد، ثم كفر بي وكذب بآياتي، قال المفسرون: نزلت في “الوليد بن المغيرة" كان من أكابر قريش، ولذلك لقب الوحيد وريحانة قريش، وقد أنعم الله عليه بنعم الدنيا من المال والبنين، وأغدق عليه الرزق فكان ماله كالنهر الدافق، وكان للوليد بستان في الطائف لا ينقطع ثمره صيفاً ولا شتاء، فكفر بأنعم الله وبدلها كفراً، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وفيه نزل ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وهو أسلوب بليغ في التهديد، كما نزلت في الآيات المتقدمة في سورة نون، ﴿ولا تطع كل حلاف مهين .. إلى .. سنسمه على الخرطوم﴾ وهو الذي آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاد له، فإن صناديد قريش لما برموا برسول الله، وضاقت عليهم الحيل في إسكاته، وإطفاء نور دعوته، لجأوا إلى الوليد فأشار عليهم بأن يلقبوه صلى الله عليه وسلم بالساحر، ويأمروا عبيدهم وصبيانهم أن ينادوا بذلك في مكة، فجعلوا ينادون إن محمداً ساحر، فحزن لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآيات الكريمة في معرض تهديده وتخويفه، ليكون ذلك أدعى للكسر من كبريائه ثم قال تعالى ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا﴾ أي جعلت له المال الواسع المبسوط، من الإبل، والخيل، والغنم، والبساتين النضرة، قال البيضاوي: ﴿مَمْدُودًا﴾ أي مبسوطاً كثيراً، وكان له الزرع والضرع والتجارة، قال ابن عباس: كان ماله ممدوداً ما بين مكة والطائف، وقال مقاتل: كان له بستان لا ينقطع نفعه شتاء ولا صيفاً ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ أي وأولاداً مقيمين معه في بلده، يحضرون معه المحافل والمجامع، يستأنس بهم ولا يتنغَّص عيشه لفراقهم، قال المفسرون: كان له عشرة بنين لا يفارقونه سفراً ولا حضراً، وكان مستأنساً لا بهم وله بهم عز ومنعة، أسلم منهم ثلاثة "خالد، وهشام، والوليد" وبعد أن ذكر من