غاب وخفي عن الأنظار، و ﴿لا﴾ في قوله ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ لتأكيد القسم وليست نافية، قال الإِمام الفخر الرازي: والآية تدل على العموم والشمول، لأنها لا تخرج عن قسمي: مبصرٍ وغير مبصر، فشملت الخالق والخلق، والدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإِنس والجن، والنعم الظاهرة والباطنة، قال قتادة: هو عام في جميع مخلوقاته جلَّ وعلا، وقال عطاء: ما تبصرون من آثار القدرة، وما لا تبصرون من أسرار القدرة ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي إِن هذا القرآن لكلام الرحمن، يتلوه ويقرؤه رسولٌ كريم، هو محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، قال القرطبي: والرسول ههنا محمد صلى الله عليه وسلم ونسب القول إِليه لأنه تاليه ومبلغه عن الله تعالى ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ أي وليس القرآن كلام شاعر كما تزعمون، لأنه مباين لأوزان الشعر كلها، فليس شعراً ولا نثراً ﴿قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ﴾ أي قلَّما تؤمنون بهذا القرآن، قال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله، بمعنى لا يؤمنون به أصلاً، والعرب تقول: قلَّما يأتينا يريدون لا يأتينا ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ أي وليس هو بقول كاهنٍ يدعي معرفة الغيب، لأن القرآن يغاير بأسلوبه سجع الكهان ﴿قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي قلَّما تتذكرون وتتعظون ﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي هو تنزيلٌ من ربِّ العزة جل وعلا كقوله تعالى ﴿وإِنه لتنزيل ربِّ العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسانٍ عربي مبين﴾ والغرض من الآية تبرئه الرسول صلى الله عليه وسلم مما نسبه إِليه المشركون من دعوى السحر والكهانة، ثم أكَّد ذلك بأعظم برهان على أن القرآن من عند الله فقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ أي لو اختلق محمد بعض الأقوال، ونسب إِلينا ما لم نقله ﴿لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي لانتقمنا منه بقوتنا وقدرتنا ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ أي ثم لقطعنا نياط قلبه حتى يموت، قال القرطبي: والوتينُ عرق يتعلق به القلب، إِذا انقطع مات صاحبه والغرض أنه تعالى يعاجله بالعقوبة ولا يمهله، لو نسب إِلى الله شيئاً ولو قليلاً، فإِن تسمية الأقوال بالأقاويل للتصغير والتحقير ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أي فما يقدر أحد منكم أن يحجز بيننا وبينه، لو أردنا حينئذٍ عقوبته، ولا أن يدفع عنه عذابنا، قال الخازن: المعنى إِن محمداً لا يتكلم الكذب علينا لأجلكم، مع علمه أنه لو تكلم لعاقبناه، ولا يقدر أحدٌ على دفع عقوبتنا عنه ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي وإِن هذا القرآن لعظةٌ للمؤمنين المتقين الذين يخشون الله، وخصَّ المتقين بالذكر لأنهم المنتفعون به ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ أي ونحن نعلم أن منكم من يكذب بهذا القرآن مع وضوح آياته، ويزعم أنه أساطير الأولين، وفي الآية وعيدٌ لمن كذب بالقرآن ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي وإِنه لحسرة عليهم في الآخرة، لأنهم يتأسفون إِذا رأوا ثواب من آمن به ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي وإِنه لحقٌ يقينيٌ لا يحوم حوله ريبٌ، ولا يشك عاقل أنه كلام رب العالمين ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي فنزّه ربك العظيم عن السوء والنقائص، واشكره على ما أعطاك من النعم العظيمة، التي من أعظمها نعمة القرآن.
=============
70 - سورة المعارج
تهديد طغاة أهل مكة بعذاب يوم القيامة
طبيعة الإنسان وحرصه الشديد على حطام الدنيا