تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعرضون على ملك الملوك ذي الجلال للحساب والجزاء، لا يخفى عليه منكم أحدٌ، ولا يغيب عنه سرٌّ من أسراركم، لأنه العالم بالظواهر والسرائر والضمائر.

جزاء الأبرار بعد الحساب

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾

ثم بيَّن تعالى حال السعداء والأشقياء في ذلك اليوم فقال ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أي فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه لأنه من السعداء ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيه﴾ أي فيقول ابتهاجاً وسروراً: خذوا اقرءوا كتابي، والهاء في ﴿كِتَابيه﴾ هاء السكت وكذلك في ﴿حِسَابِيه﴾ و ﴿ماليه﴾ و ﴿سلطانيه﴾ قال الرازي: ويدل قوله ﴿هاؤم اقرءوا كتابيه﴾ على أنه بلغ الغاية في السرور، لأنه لما أُعطي كتابه بيمينه، علم أنه من الناجين ومن الفائزين بالنعيم، فأحب أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا بما ناله ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه﴾ أي إِني أيقنت وتحققت بأني سألقى حسابي وجزائي يوم القيامة، فأعددت له العدة من الإِيمان، والعمل الصالح، قال الحسن: إِن المؤمن أحسن الظنَّ بربه فأحسن العمل، وإِنَّ المنافق أساء الظن بربه فأساء الظن بربه فأساء العمل، وقال الضحاك: كل ظنٍ في القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك .. قال تعالى مبيناً جزاءه ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي فهو في عيشة هنيئة مرضية، يرضى بها صاحبها، لما ورد في الصحيح أنهم يعيشون فلا يموتون أبداً، ويصحون فلا يمرضون أبداً، وينعمون فلا يرون بؤساً أبداً ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أي في جنةٍ رفيعة القدر، وقصور عالية شاهقة ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ أي ثمارها قريبة، يتناولها القائم، والقاعد، والمضطجع، قال ابن جزي: القطوف جمع قطف وهو ما يجتنى من الثمار ويقطف كالعنقود، روي أن العبد يأخذها بفمه من شجرها وهو قائم أو قاعد أو مضطجع ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ أي يقال لهم تفضلاً وإِنعاماً: كلوا واشربوا أكلاً وشرباً هنيئاً، بعيداً عن كل أذى، سالماً من كل مكروه ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أي بسبب ما قدمتم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية يعني أيام الدنيا.

حال الأشقياء يوم القيامة

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ (37)﴾

ولما ذكر حال السعداء أعقبه بذكر حال الأشقياء فقال ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ أي وأما من أعطي كتابه بشماله وهذه علامة الشقاوة والخسران ﴿فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه﴾ أي فيقول اذا رأى قبائح أعماله: يا ليتني لم أعط كتابي، قال المفسرون: وذلك لِما يحصل له من الخجل والافتضاح فيتمنى عندئذٍ أنه لم يعط كتاب أعماله، ويندم أشد الندم ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه﴾ أي ولم عرف عظم حسابي وشدته، والاستفهام

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٢٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٢٧٠