الإِيذاء لسيد الأنبياء، وجوابه محذوف تقديره أي إِن تبتما كان خيراً لكما من التعاون على النبي صلى الله عليه وسلم بالإِيذاء ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي فقد زاغت ومالت قلوبكما عما يجب عليكما من الإِخلاص لرسول الله، بحب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ أي وإِن تتعاونا على النبي صلى الله عليه
وسلم بما يسوؤه، من الوقيعة بينه وبين سائر نسائه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ أي فإِنَّ الله تعالى هو وليُّه وناصره، فلا يضره ذلك التظاهر منكما ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وجبريل كذلك وليه وناصره، والصالحون من المؤمنين، قال ابن عباس: أراد بصالح المؤمنين أبا بكر وعمر فقد كانا عوناً له عليه الصلاة والسلام عليهما، قال ابن جزي: معنى الآية: إِن تعاونتما عليه صلى الله عليه وسلم بما يسوؤه من إِفراط الغيرة، وإِفشاء سره ونحو ذلك، فإِنَّ له من ينصره ويتولاه، وقد ورد في الصحيح أنه لما وقع ذلك جاء عمر إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ما يشقُّ عليك من شأن النساء؟ فإِن كنت طلقتهنَّ فإِنَّ الله معك وملائكته وجبريل، وأبو بكرٍ وعمر معك فنزلت الآية موافقة لقول عمر ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ أي والملائكة الأبرار بعد حضرة الله، وجبريل، وصالح المؤمنين أعوانٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم على من عاداه، فماذا يفيد تظاهر امرأتين على من هؤلاء أعوانه وأنصارهُ؟ أفرد ﴿جبريل﴾ بالذكر تعظيماً له، وإِظهاراً لمكانته عند الله تعالى فيكون قد ذُكر مرتين: مرةً بالإِفراد، ومرةً في العموم، ووسَّط ﴿صالح المؤمنين﴾ بين جبريل والملائكة تشريفاً لهم، واعتناءً بهم، وإِشادةً بفضل الصلاح، وختم الآية بذكر ﴿الملائكة﴾ أعظم المخلوقات وجعلهم ظهراء للنبي عليه الصلاة و السلام ليكون أفخم بالنبي صلوات الله عليه، وعظم مكانته، والانتصار له، إِذ هم بمثابة جيشٍ جرارٍ، يملأ القفار، نصرةً للنبي المختار، فمن ذا الذي يستطيع أن يناوئ الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك؟ ثم خوَّف تعالى نساء النبي بقوله ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ قال المفسرون: ﴿عسى﴾ من الله واجبٌ أي حقٌ واجب عل الله إِن طلقكنَّ رسوله ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ أي أن يعطيه عليه السلام بدلكُنَّ زوجاتٍ صالحاتٍ خيراً وأفضل منكنَّ، قال القرطبي: هذا وعدٌ من الله تعالى لرسوله لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه نساءً خيراً منهن، والله عالمٌ بأنه لا يطلقهن، ولكنْ أخبر عن قدرته، على أن رسوله لو طلقهن، لأبدله خيراً منهن، تخويفاً لهن .. ثم وصف تعالى هؤلاء الزوجات اللواتي سيبدله بهنَّ فقال ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ أي خاضعات مستسلماتٍ لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي مصدقاتٍ بالله وبرسوله ﴿قَانِتَاتٍ﴾ أي مطيعاتٍ لما يُؤمرن به، مواظباتٍ على الطاعة ﴿تائِبَاتٍ﴾ أي تائباتٍ من الذنوب، لا يصررن على معصية ﴿عَابِدَاتٍ﴾ أي متعبداتٍ لله تعالى يكثرن العبادة، كأنَّ العبادة امتزجت، بقلوبهن، حتى صارت سجيةً لهن ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي مسافراتٍ مهاجراتٍ إلى الله ورسوله ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ أ ي منهنَّ ثيباتٍ، ومنهن أبكاراً، قال ابن كثير: قسمهن إِلى نوعين ليكون ذلك أشهى إِلى النفس، فإِنَّ التنوع يبسط النفس، وإِنما دخلت واو العطف هنا ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ للتنويع والتقسيم، ولو سقطت لاختل المعنى، لأن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان، فتدبر سرَّ القرآن.
التحذير من النار، والأمر بالتوبة النصوح