تعالى حكم الفيء عامةً - وهو ما يغنمه المسلمون بدون حرب - فقال ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي ما جعله الله غنيمةً لرسوله بدون قتال من أموال الكفار قال ابن عباس: هي قريظة، والنضير، وفدك، وخيبر ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ أي فحكمها أنها لله تعالى يضعها حيث يشاء، ولرسوله يصرفها على نفسه وعلى مصالح المسلمين ﴿وَلِذِي الْقُربَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكينِ﴾ أي ولأقرباء الرسول من بني هاشم وعبد المطلب، ولليتامى الذين مات ءاباؤهم، وللمساكين ذوي الحاجة والفقر ﴿وابْنِ الْسَّبِيلِ﴾ أي وللغريب المنقطع في سفره قال ابن جزي: لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال، فإِن آية الأنفال في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإِيجاف الخيل والركاب، فتلك يؤخذ منها الخمس ويقسم الباقي على الغانمين، وأما هذه ففي "حكم الفيء" وهو ما يؤخذ من الكفار من غير قتال فلا تعارض بينهما ولا نسخ، وقد قرر الفقهاء الفرق بين الغنيمة والفيء، وأنَّ حكمهما مختلف، فالغنيمة ما أُخذت بالقتال، والفيءُ ما أُخذ صلحاً، وانظر كيف ذكر هنا لفظ الفيء ﴿ما أفاء الله على رسوله﴾ وذكر في الأنفال لفظ الغنيمة ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةَ بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ أي لئلا ينتفع بهذا المال ويستأثر به الأغنياء دون الفقراء، مع شدة حاجة الفقراء للمال قال القرطبي: أي فعلنا ذلك كيلا يتقاسمه الرؤساء والأغنياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لأن أهل الجاهلية كانوا إِذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه - وهو المرباعُ - ثم يصطفي منها أيضاً ما يشاء قال المفسرون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير على المهاجرين فإِنهم كانوا حينئذٍ فقراء، ولم يُعط الأنصار منها شيئاً فإِنهم كانوا أغنياء، فقال بعض الأنصار: لنا سهمنا من هذا الفيء فأنزل الله هذه الآية ﴿وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ أي ما أمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم فافعلوه، وما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإِنه إِنما يأمر بكل خير وصلاح، وينهى عن كل شرٍّ وفساد قال المفسرون: والآية وإِن نزلت في أموال الفيء، إلا أنها عامة في كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه من واجبٍ، أو مندوب، أو مستحب، أو محرم، فيدخل فيها الفيء وغيره، عن ابن مسعود أنه قال: "لعن اللهُ الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيِّرات خلق الله" فبلغ ذلك امرأةً من بني أسد يُقال لها "أم يعقوب" - وكانت تقرأ القرآن - فأتته فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا!! وذكرته له، فقال ابن مسعود: وما لي لا ألعنُ من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى؟ فقالت المرأةُ: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته! فقال: إِن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأتِ قول الله عز وجل ﴿وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾؟ ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي خافوا ربكم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ أي فإِن عقابه أليم وعذابه شديد، لمن عصاه وخالف ما أمره به ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ هذا متعلقٌ بما سبق من حكم الفيء كأنه يقول: الفيءُ والغنائم لهؤلاء الفقراء المهاجرين الذين ألجأهم كفار مكة إِلى الهجرة من أوطانهم، فتركوا الديار والأموال، ابتغاء مرضاة الله ورضوانه ﴿وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي قاصدين بالهجرة إِعلاء كلمة الله ونصرة دينه ﴿أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي هؤلاء الموصوفون
موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٢٠٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٢٠٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي